الطفلة والمفاجأة الكبري
كنت قاعد في نص طبق الستيك والسكينة في إيدي والضوء دافي جوه المطعم الريحة حلوة بس الدنيا كانت ساكتة كده كأنها مستنية حاجة تحصل وانا لسه فاكر اللحظة اللي سمعت فيها صوت صغير بيرتعش جنب الترابيزة وقال بخوف لو سمحت يا أستاذ ينفع آخد بواقي الأكل رفعت عيني وبصيت لقيت بنت صغيرة مشردة شكلها حوالي تسع سنين واقفة في ضل الكرسي ركبتها متعورة وشعرها منكوش وعينيها شايلة هم أكبر من سنها بكتير وكانت عيونها مليانة خوف وحزن ما كانتش بتشحت عشان تمثل كانت بتسأل كإن ده آخر باب خبطت عليه حسام مساعدي قرب مني وهمس لي بصوت منخفض أنادي الأمن البنت اتخضت كأن الكلمة دي اتقالتلها قبل كده كتير وقالت بسرعة وهي بترتعش أرجوك أخويا ما أكلش بقاله يومين حسيت صدري اتقبض وسألتها بهدوء فين أخوكي إيدها كانت بترتعش وهي بتشاور ناحية الزقاق جنب المطعم وقالت ورا هناك بردان ومش راضي يفوق حسام قام وقال يا فندم المكان مش آمن قاطعته وقومت من غير ما أبصله وخرجت برا صوت المدينة كان مختلف أقسى وريحة الكرتون المبلول والزبالة البايظة كانت في كل حتة والشوارع ضلمة والمية ماشية في المصارف كانت عاملة صوت زي هدير خفيف والبنت جريت قدامي وقالتلي اسمها ليلى وركعت جنب كومة كراتين قديمة وساعتها شوفته ولد صغير حوالي أربع سنين متكور على نفسه كأنه بيحاول يختفي شفايفه لونها باهت ورموشه ثابتة من السكون ليلى هزته بالراحة وقالت بصوت متقطع وهي بتعيط نوح بالله عليك ركعت جنب الولد ولمست جبينه كان سخن نار وساكن زيادة عن اللزوم زعقت في حسام اتصل بالإسعاف فورا حاول يقوللي ممكن نتصرف من غير دوشة قلت
بعد ما نوح دخل العناية المركزة وليلى كانت ماسكة إيده وأنا واقف حاسس إن قلبي وقع وجسمى كله اتجمد الدنيا بره كانت لسه مظلمة والمطر بيقع على الزقاق كأنه بيغسل كل حاجة حوالينا وكل صوت في الشارع كان بيخوف حسيت لأول مرة قد إيه أنا ضعيف من غير ماحد يبصلي أو يساعدني بس في نفس الوقت كان في إحساس غريب بالمسؤولية الكبيرة حسيت إن حياتهم كلها بقت على كتفي مش بس الولد والبنت دول لأ كل الأطفال اللي زيهم كل اللي اتسيبوا لوحدهم في الشوارع واللي محدش بيشوفهم حسيت إني لازم أكون ليهم سند ومكان آمن. بعد يوم كامل من الانتظار والإسعاف والدكاترة وإحساس الخوف نوح بدأ يتحرك شوية عينيه فتحت وكان بيبص حواليه بحيرة وليلى من فرحتها بقت تبكي وتضحك في نفس الوقت ماسكة إيده مش راضية تفصل عنه وأنا واقف جنبهم وأحس إني أول مرة في حياتي حسيت بالمسؤولية الحقيقية وباللي اسمه قلب بيتس على غيره.
الأيام اللي بعدها كانت صعبة جدا كل يوم مستشفى أدوية
اتكاملوا الطفلين دول علموني حاجات كتير عن الحياة عن الخوف عن الإحساس عن الحب الصافي اللي مش ليه أي مصلحة وكل مرة نوح يضحك أو يلعب مع ليلى أو ينادي عليا بابا قلبي يوجعني ويطمني في نفس الوقت حسيت إن الدنيا دي ممكن تكون جميلة لو حد بس اهتم.
في الوقت ده بدأت أدور على الورق والقوانين عشان أضمنهم وعملت وصاية قانونية مؤقتة عليهم وبدأت أفكر إزاي أأمن لهم بيت وسكن ومدرسة وكنت كل يوم بقعد مع نفسي وأسأل نفسي هل أنا هقدر أكون قد المسؤولية دي ولا لا وكل مرة بلاقيهم بيضحكوا أو بيحبوا بعض أو بيبقوا فرحانين بشيء بسيط كل مرة بلاقي نفسي متأكد إن أي فلوس في العالم أو منصب ما يسوى قدام لحظة زي دي لما طفل بيحتاجلك حسيت إني اتغيرت بالكامل حياتي كلها اتقلبت من يوم ما شفتهم في الزقاق وقررت مش هسيبهم أبدا.
وبمرور الوقت بدأت ليلى تحكيلي عن ماضيهم عن أمهاتهم وعن الأيام الصعبة اللي عاشوها في الشوارع عن الجوع والخوف والبرد وعن اليوم اللي ضاعوا فيه لوحدهم وأنا بستمع وكل مرة دموعي تنزل بصعوبة وبلا صوت وعرفت إنهم مش بس محتاجين أكل وملجأ لأ محتاجين حد يصدقهم حد يحبهم من غير شروط حد يقف جنبهم وده اللي أنا بقيت عليه. بدأت أوريهم الدنيا أخرجهم من الزقاق نروح الجنينة نشتري كتب ألعاب ملابس جديدة كل يوم بقرب منهم أكتر وأكتشف شخصياتهم ليلى قوية جدا ذكية بتحمي أخوها الصغيرة بشجاعة ونوح رغم عمره الصغير عنده قلب