شر مرات اخويا
ماقدرتش أتحرك.
ماقدرتش أتكلم.
ماقدرتش حتى أفتح عينيّ.
بس كنت سامعة… سامعة كل حاجة.
الدكاترة سموها غيبوبة، إنما من جوايا كنت حاسة إني محبوسة في سجن. وعيي كان صاحي، صاحي زيادة عن اللزوم، لكل صوت حواليا: زنة الأجهزة اللي ما بتهداش، خطوات الممرضات الهادية، وصوتها هي.
كلير.
مش بس مرات أخويا. دي كانت أقرب واحدة لجزّي مارك، وكانت دايمًا بتقدم نفسها إنها “سنده” بعد حادث العربية اللي دخلني المستشفى. أو على الأقل ده اللي كانت بتقوله للناس.
إنما وأنا محبوسة جوه جسمي، صوتها كان ليه طعم تاني… طعم مخيف.
في يوم سمعتها بتهمس، بصوت واطي ومدروس:
“هي مش هتحب تعيش كده… إنت عارف كده كويس يا مارك. دايمًا كانت بتكره المستشفيات.”
كنت عايزة أصرخ.
ده كذب.
ما قلتش كده أبدًا.
بس بقي؟ ولا نفس طالع.
مارك سكت شوية. سمعت صوت الكرسي وهو بيتزحلق لما قعد. صوته كان تعبان، تايه:
“الدكاترة قالوا في نشاط في المخ…”
كلير تنهدت،
“ما هما دايمًا بيقولوا كده. ست أسابيع عدّوا. هي راحت خلاص. سيبها ترتاح.”
حسّيت بإيديها وهي ماسكة إيدي. حسّيت اللمسة. حسّيت بكل حاجة. قلبي دق بعنف، بس جسمي خانّي.
قربت أكتر. ريحتها مليت نفسي.
وهمست:
“افصل الجهاز بس… وأنا ههتم بكل حاجة.”
في اللحظة دي، الوقت وقف.
السكات كان تقيل لدرجة إن الرعب استقر جوا صدري.
وفهمت.
الموضوع مش رحمة.
الموضوع سيطرة.
فلوس.
وثيقة التأمين على حياتي اللي أنا ومارك مضيناها قبل الحادث بشهور.
ابتسمت.
ما شفتهاش، بس سمعت الابتسامة في صوتها.
كانت متأكدة إني خلاص انتهيت.
ساعتها حاجة اتكسرت جوايا.
الخوف اتحوّل لغضب.
والغضب ليأس.
جمعت كل ذرة قوة فاضلة، وركّزت على حاجة واحدة بس… عينيّ.
وفجأة، ضد أي منطق، فتحت عيني.
الدنيا ولّعت.
لخبطة، صوت كراسي بتتزق، مارك شهق، وكلير وقفت في نص كلامها. حد صرخ بينادي ممرضة، النور ضرب في وشي، وكل حاجة بقت تقيلة،
مارك كان واقف فوق راسي، عيونه مليانة دموع:
“صحيت… هي صحيت!”
كان بيكررها كأنه مش مصدق.
وش كلير اتغير في ثانية. ثانية واحدة بس.
“يا إلهي!” قالت وهي بتضحك ضحكة مهزوزة.
“كنت عارفة… كنت متأكدة إنك هتخفّي.”
كنت عايزة أفضحها في اللحظة دي.
بس جسمي لسه مش طايعني.
حلقي ناشف، أطرافي تقيلة.
كل اللي قدرت عليه إني أبصلها.
وهي… كانت فاهمة النظرة.
الدكاترة أكدوا إني واعية، رغم ضعفي. شرحوا حاجة اسمها “متلازمة المحتجز جوه جسده”. مؤقتة، قالوا. كنت بفهم وبسمع وبفكر، بس الحركة والكلام محتاجين وقت.
كلير كانت بتيجي كل يوم.
لطيفة زيادة.
مساعدة زيادة.
حذرة زيادة.
بس مارك… بدأ يتغير.
ما بقاش يحب يقعد معاها لوحدهم.
بقى يسأل كتير.
الشك بدأ يظهر في عينيه.
في ليلة، وهي فاكرة إني نايمة، قربت منه تاني:
“لازم نتكلم عن البيت… لو حصل أي حاجة—”
صباعي اتحرك.
حركة صغيرة قوي.
بس مارك
“إيه ده؟” قال بحدة.
كلير اتصلبت.
“يمكن رد فعل لا إرادي.”
بس هو ما اقتنعش.
نادوا ممرضة.
تحاليل.
ملاحظات.
وتوثيق لكل تقدم بسيط.
أسبوعين بعدهم، بدأت أتحرك أكتر.
رمشة عين.
هزّة راس.
إشارة.
وفي يوم، مارك سألني بصوت واطي بس مباشر:
“كلير قالتلي أنهي حياتك؟”
هزّيت راسي: آه.
الصمت ملأ الأوضة.
من اليوم ده، كلير بطلت تيجي.
رحلة التعافي كانت بطيئة وموجعة.
إني أتعلم أتكلم من الأول كان كأني بطلع جبل برجلي مكسورة.
بس مع كل كلمة، كنت بسترجع قوتي.
الحقيقة طلعت واحدة واحدة.
كلير كانت شافت أوراق ماكانش المفروض تشوفها.
ضغطت على مارك وهي لابسة قناع الدعم.
ولما واجهها، أنكرت… لحد ما سجلات المستشفى، وشهادات الشهود، وكلامي أنا كشف كل حاجة.
مارك اتكسر لما فهم إنه كان على بعد خطوة من إنه يثق في أكتر شخص غلط في حياتي.
جوازنا ماطلعش من غير ندوب.
الثقة محتاجة وقت.
العلاج ساعد.
والصدق ساعد أكتر.
أما كلير؟
اختفت من حياتنا خالص.
أوقات كتير بفكر قد إيه كنت قريبة إني ما أفتحش عيني تاني…
مش عشان جسمي فشل،
لكن عشان حد قرر إن حياتي تقيلة عليه.