عقد طالبة بسبب الحقيقي

لمحة نيوز

كانت طالبة جامعية في أول العشرينات جميلة وذكية بس عندها عقدة غريبة جدا اسمها الحقيقي. من أول يوم دخلت فيه الجامعة وهي حاسة إن اسمها قديم تقيل مش لايق على جيلها ولا على الموضة ولا على صورتها اللي كانت عايزة ترسمها لنفسها. فقررت قرار بسيط في ظاهره بس غير حياتها كلها نادوني فيفي. ومن غير أي مقدمات بقت فيفي. كل اللي تتعرف عليه في الجامعة بنات أو ولاد دكاترة مساعدين جروبات واتساب وتليجرام حتى الإيميل الجامعي كانت مسجلة فيه فيفي. الاسم الحقيقي اتدفن جواها بقى سر بقى حاجة تخجل منها. لو حد سألها مرة على استحياء هو اسمك الحقيقي إيه كانت تضحك ضحكة سريعة وتغير الموضوع أو تقول بثقة مصطنعة فيفي وخلاص. ومع الوقت بقى الموضوع أكبر من مجرد اسم بقى خوف. خوف إن حد يعرف الحقيقة. خوف إن الصورة اللي بنتها تقع في ثانية واحدة. حتى أقرب صاحباتها اللي كانوا يعرفوا عنها كل حاجة عمرهم ما عرفوا اسمها الحقيقي.
مرت السنين وهي ماشية كده لحد ما جه اليوم اللي ما كانش في بالها أبدا. محاضرة عادية مدرج مليان والدكتور المعروف بصرامته واقف يشرح. فجأة قرر يعمل حضور بنفسه. بدأ ينادي أسماء الطلاب من الكشف. الاسم وراه حاضر الاسم وراه حاضر. لحد ما وصل عندها. رفع عينه من الكشف وقال فيفي. ردت بسرعة

حاضر يا دكتور. سكت ثانية بص في الورق وبص لها تاني وقال طيب يا آنسة اسمك الحقيقي إيه قلبها وقع في رجليها. حاولت تضحك وتلم الموضوع وقالت هو ينفع يا دكتور خلينا في فيفي. الطلبة ضحكوا وهي ضحكت معاهم بس من جواها كانت بتنهار. الدكتور ابتسامته اختفت وقال بنبرة حاسمة لا ده حضور رسمي. لازم الاسم الحقيقي للتسجيل. ما ينفعش لقب. حاولت تتهرب مرة تانية صوتها واطي إيديها بتترعش بس هو أصر أكتر وقال اسمك الحقيقي حالا. ساعتها حست إن المدرج كله بيبص عليها. وشها ولع نار. ودانها بتصفر. نفسها مقطوع. كانت عايزة تختفي. في لحظة يأس طلعت ورقة صغيرة من كشكولها كتبت الاسم بسرعة قامت من مكانها وراحت لحده حاطة إيديها على وشها وناولته الورقة كأنها بتسلم اعتراف.
الدكتور أخد الورقة وهو مبتسم ابتسامة خفيفة ابتسامة واحد متوقع يشوف اسم عادي جدا فاطمة منى هدى اسم يخلص في ثانية. فتح الورقة قرأ الاسم واللي حصل بعدها محدش كان يتخيله. الابتسامة وقفت فجأة إيده اتخشبت عينه وسعت لون وشه راح. المدرج كله سكت. لحظة صمت تقيلة خنقت المكان. الدكتور سند على المكتب كأنه هيفقد توازنه. الطلبة افتكروا إنه تعبان. واحدة قالت يا دكتور حضرتك كويس بس هو ما كانش سامع حد. كان باصص على الاسم بس كأنه شايف شبح. الاسم
اللي كتبته كان زينب. مش بس زينب زينب عبد الرحمن.
رفع عينه وبصلها نظرة عمرها ما تنساها. نظرة وجع وذهول وخوف وحنين متكسر. قال بصوت مبحوح اسم أبوكي إيه هي اتلخبطت وقالت عبد الرحمن عبد الرحمن اللي توفى من خمس سنين. ساعتها الدكتور قعد على الكرسي ورا المكتب. الطلبة بقوا مش فاهمين حاجة. وهي كانت واقفة مش عارفة تتحرك. بعد ثواني طويلة رفع عينه وقال بصوت واطي بس مسموع عبد الرحمن كان صاحبي أخويا اللي مخلفتوش أمي. الدنيا لفت بيها. كمل وهو بيحاول يسيطر على صوته زينب الاسم ده أنا اللي اخترته. قبل ما تتولدي. أبوكي كان متجوز ومخلفش وكان فاكر إن عمره هيخلص من غير ما يبقى أب. قعد يبكي في حضني وقال لي لو ربنا كرمني ببنت هسميها زينب على اسم أمي. سكت لحظة ومسح عينه وقال أنا اللي كتبت الاسم بإيدي في شهادة الميلاد.
المدرج كان ساكت كأنه قبر. وهي كانت بتسمع الحكاية لأول مرة في حياتها. اسمها اللي كانت بتخجل منه وتستخبى منه وتستبدله بلقب فاضي طلع اسم له أصل له دم له حب له دموع. الدكتور وقف وقال أبوكي مات وهو فخور باسمك وإنتي كنتي عمرك ما تعرفي. ساعتها انفجرت بالبكاء. بكاء عمره ما نزل. مش بس على اسم على نفسها. على السنين اللي كانت بتهرب فيها من هويتها. الدكتور بص للطلبة وقال المحاضرة
خلصت. خرجوا واحد واحد وهم مش فاهمين حاجة وسابوهم لوحدهم.
بعد اليوم ده اختفت فيفي. في الجروبات بقى اسمها زينب عبد الرحمن. في الكلية البنات بقوا ينادوها زينب. كل مرة حد يقول الاسم كانت تحس إنه تقيل بس تقيل بالمعنى الحلو. تقيل لأنه شايل حكاية. شايل أب وأم وذكرى ودكتور شاف في اسم طالبة عمر صاحبه كله. ومن يومها ما بقاش في اسم قديم ولا موضة. بقى في اسم يشرف واسم يتقال من غير كسوف واسم لما يتنادى القلب يرد قبل اللسان.
القصة الثانية 
رجل بلا مأوى أعطاني 5 دولارات فتتبعته وما اكتشفته أذهلني
بدأ الأمر صباح خميس بارد في مدينة نيويورك.
ذلك النوع من الصباح الذي يتسلل فيه البرد إلى عظامك وتشعر فيه أن الرياح تحمل لك عداوة شخصية.
كنت أقف خارج مقهى متداع في شارع 45 ويداي ترتجفان ليس فقط من البرد بل من الإحباط. بطاقتي البنكية رفضت للتو. مرتين.
إيجاري متأخر. لم يتبق في حسابي سوى 2 83 دولار. لم أتناول وجبة حقيقية منذ يومين ورأسي ينبض من نقص الكافيين.
ثم سمعت صوتا خلفي.
هل أنت بخير يا آنسة
استدرت. كان رجلا بلا مأوى.
كان ملفوفا بطبقات من ملابس بالية وقبعة صوفية منخفضة على أذنيه. بشرته متعبة لحيته كثيفة وفوضوية لكن عينيه كانتا صافيتين بشكل مدهش. لامعتين حادتين وهادئتين.

أنا بخير
تم نسخ الرابط