عقد طالبة بسبب الحقيقي
كذبت.
متأكدة تبدين كأن الحياة صفعتك للتو.
ابتسمت ابتسامة باهتة. ربما فعلت.
ثم دون تردد أخرج من جيبه ورقة نقدية مجعدة من فئة خمسة دولارات.
خذي. اشتري لنفسك قهوة وشطيرة.
رمشت بدهشة. لا أستطيع أخذها. أنت بحاجة إليها أكثر مني.
دسها في يدي رغما عني.
لقد أكلت بالفعل. أنت لم تأكلي.
وقبل أن أتمكن من الاعتراض مرة أخرى ابتعد مترنحا قليلا واختفى وسط الزحام.
وقفت متجمدة أحدق في المال بيدي.
لم يكن مبلغا كبيرا.
لكنه كان كل شيء بالنسبة له وقد أعطاني إياه وأنا غريبة تماما.
اشتريت قهوة صغيرة وقطعة خبز. وبكيت وأنا آكلها.
لا أعرف لماذا أثر ذلك الموقف في بهذا العمق. ربما لأنه كان أول لطف أتلقاه منذ أسابيع دون مقابل. وربما لأنه جاء من آخر شخص توقعت أن يمنحني شيئا.
لكن القصة لم تنته عند هذا الحد.
ذلك الرجل ظل في ذهني. ليس بطريقة مخيفة بل بطريقة جعلتني أشعر بالامتنان والفضول والأمل.
فاتخذت قرارا.
سأجده.
لم أكن أعرف اسمه ولا أين يقيم. فقط أنه كان يعرج قليلا ويرتدي قبعة عليها خط أزرق لامع.
لمدة أسبوع بعد دوامي الجزئي في مكتبة كنت أبحث في الشوارع القريبة من المقهى. سألت مشردين
وأخيرا وجدته جالسا قرب أرض مهجورة يطعم الحمام فتات الخبز.
قال مبتسما حين رآني
أنت مرة أخرى.
تذكرتني
بالطبع. ليس كل يوم أعطي فيه خمسة دولارات.
ضحكت وجلست بجانبه. تحدثنا لساعات. قال إن اسمه جيريميا. حكى لي عن أحياء قديمة موسيقى السبعينيات وأفضل المطاعم الصغيرة المخفية في المدينة. لم يسألني لماذا عدت. ولم يتحدث كثيرا عن نفسه.
لكنني عدت إليه كل يوم.
كنت أجلب له شطائر. وكان يجلب لي قصصا.
وببطء بدأت ألاحظ أنه ليس كغيره. لم يكن يتسول أبدا. كان يقرأ الصحف. يقتبس من شكسبير. وصحح لي خطأ نحويا ذات مرة.
وذات ليلة حين بدأ المطر وعرضت عليه مظلتي نظر إلي وقال
هل تعلمين من يملك هذه المدينة حقا
قلت مرتبكة لا.
ابتسم. ولا هم أيضا.
تلك الجملة علقت في ذهني.
في تلك الليلة لم أستطع النوم. ففعلت ما يفعله أي احد فضولي بحثت عنه في جوجل.
جيريميا. نيويورك. مشرد. قبعة زرقاء. أستاذ سابق
لا شيء.
ثم تذكرت أنه ذكر امرأة تدعى إليز. قال إنها كانت تصنع أفضل فطيرة توت في هارلم. لم يكن ذكرها عابرا.
بحثت
ووجدتها.
إليز مونتكلير توفيت قبل 9 سنوات. صاحبة مخبز. نجت من بعدها زوجها الدكتور جيريميا مونتكلير مستشار مالي ومستثمر رأسمالي سابق.
تسارع قلبي.
فتحت الصورة.
رجل ببدلة فاخرة حليق الذقن يقف أمام شركة تقنية في حفل افتتاح.
الدكتور جيريميا مونتكلير كان يوما ما مليارديرا ومستثمرا مبكرا في شركات تقنية كبرى. لكن بعد وفاة زوجته المفاجئة في حادث سيارة اختفى من عالم الأعمال.
حتى الآن.
واجهته في اليوم التالي.
لماذا أنت في الشارع يا جيريميا
ابتسم ضاحكا بخفة. اكتشفت أمري أليس كذلك
لماذا لم تخبرني
هز كتفيه.
الناس يعاملونك بشكل مختلف عندما يعتقدون أن لديك شيئا تقدمه. لكن عندما يظنون أنك لا تملك شيئا ترى حقيقتهم.
أخرج أوراق لعب ووضع ثلاث بطاقات أمامه.
كنت أملك كل شيء. مال. نفوذ. سلطة. لكن لم يكن لدي سلام. زوجتي إليز كانت مرساتي. عندما رحلت لم يستطع المال شراء السكينة.
توقف ثم قال
فابتعدت. تركت البدلات وغرف الاجتماعات والطائرات الخاصة. أردت أن أعيش بين الناس. أن أعرف إن كنت ما زلت أحدث فرقا حتى بلا شيء.
وهل فعلت سألت.
ابتسم.
أنت أجبت عن هذا السؤال.
خلال الأسابيع التالية علمني عن الاستثمار والحياة والخسارة. لم يكن يملك شيئا ومع ذلك منحني أغلى الدروس.
وذات يوم أعطاني عنوانا.
في صباح اليوم التالي ذهبت.
مبنى في بروكلين يحمل لافتة
مبادرة مونتكلير مؤسسة الفرص الثانية
استقبلني شاب أنيق.
لا بد أنك إيميلي. كنا ننتظرك.
قادني إلى مكتب. على الطاولة ملف باسمي. بداخله طلب منحة توصية وشيك.
بقيمة 50000 دولار.
جيريميا يؤمن بك قال.
أدركت حينها
لم يختف جيريميا.
بل اختار أن يكون غير مرئي.
لم يترك ثروته بل أخفاها. استخدمها بصمت لبناء ملاجئ ومنح وبرامج فرص ثانية بأسماء مستعارة بعيدا عن الأضواء.
قال لي مرة
ترين حقيقة الناس عندما لا تملكين شيئا.
أما هو فقد رأى الحقيقة وقرر أن يغيرها.
بعد عام
أنا الآن أجلس في قاعة محاضرات في نفس الجامعة التي ألقى فيها جيريميا محاضرات يوما ما أدرس إدارة المنظمات غير الربحية.
أحمل معي قصة رجل ظنه العالم بلا قيمة بينما كان يغير العالم في الخفاء.
وكل صباح أمر بالمقهى القديم في شارع 45.
أحيانا أتوقع أن أراه هناك.
وأحيانا أقسم أنني ألمح رجلا بقبعة ذات خط أزرق يختفي بين الزحام مبتسما.
إن بقيت