ابنه بقى دكتور وسب والدته العمياء من غير أي حاجة، ماما اللي قضت عمرها بتشتغل وتغسل هدوم عشان تعيش وتربي ابنها وتحقّقله أحلامه، مفيش أي دمعة على وشه بعد سنين من المعاناة، لكن إيديها كانت بترتعش وهي ماسكة التليفون، لما سمعته بيقول لها "أنا أصلاً بعت الأرض، عندك تلات أيام تسيبيها"، اتجمّد قلبها ومقدرش تصدق اللي بيحصل، حاولت تقول له "ماوريسيو… ابني، إنت بتقول إيه ده؟ الأرض دي بيتي. أنا ربّيتك هناك. كنت بغسل هدوم هناك عشان أقدر تعليمك"، وهو رد عليها ببرود "مش بتاعتك دلوقتي، ماما، إنتي وقّعتِ على التوكيل من سنين. الموضوع خلص"، قالت له "بس ده بيتي… أنا راح أروح فين؟ أنا مش شايفة ومفيش حد جنبّي"، هو قال لها "ده خلص خلاص… أنا لي حياتي دلوقتي، مش قادر أشيل الحمل ده. المالكين الجداد هييجوا يوم الجمعة"، وانقطع الخط. دونيا كونسويلو حاولت تتصل بيه تاني… مرة… مرتين… خمس مرات… الرقم مش شغال. وصل يوم الجمعة، عربية وقفت قدام البيت، نزل اتنين رجالة بشريط القياس، وراهم ستة شايلة ملف وبصّت على الورق وقالت لها "مدام، لازم تسيبي البيت، كل حاجة موقعة"، قالت لها كونسويلو "ابني قالي عندي تلات أيام"، الست قالت "النهاردة هو اليوم التالت"، قامت كونسويلو من الكرسي الخشبي اللي قضت عليه أربعين سنة وهي مستنية الغسيل ينشف وقالت "هآخد اللي يركب في شنطة واحدة، الباقي يفضل مع البيت"، قالت لها الست "استعجلي… لازم نخلص القياس قبل المغرب"، جارتها أمبارو جريت لحد عندها وقالت "كونسويلو، إيه اللي بيحصل؟ ليه بيقيسوا بيتك؟"، قالت لها "باعوه… ابني… الدكتور"، أمسكت
أمبارو يدها وقالت "هو فين؟"، قالت "مش عارفة… مفيش رقم دلوقتي"، خرجت دونيا كونسويلو من البيت شايلة شنطة بلاستيك، جواها ثلاث بلوزات وتنورة، مسبحة، وصندوق كوتشينة مليان أوراق عمرها ما قدرت تقراها—إيصالات وفواتير ومظروف أصفر ريحته رطوبة، سألتها أمبارو "ده إيه؟"، قالت "أوراق جوزي… خليتها بعد ما مات"، قالت أمبارو "عمري ما كنت أعرف محتواها"، قالت كونسويلو "وماوريسيو مفسرش؟… هو عمره ما سأل"، قادتها أمبارو لغرفة صغيرة في آخر ساحة مشتركة وقالت "تقدري تقعدي هنا… صغيرة بس فيها سقف"، جلست كونسويلو على السرير، حطت الشنطة على رجليها، صندوق الكوتشينة على صدرها وهمست "هيتصل بيا… لما يفتكر، هيكلم"، أمبارو ما قالتش حاجة، برا الرجالة كانوا بيقيسوا الأرض، الأرض اللي دونيا كونسويلو سقتها عشرين سنة بغسيل وعرق ودم الناس التانية، وفي نفس الوقت في مكسيكو سيتي، دكتور ماوريسيو إسترادا ساليناس كان بيتعشى مع مراته وحماته بيتكلموا عن تجديد عيادته الجديدة، ولا حد ذكر أمه، ولا حد سأل، بالنسبة له هي خلاص ما كانتش موجودة، وراء الساحة أمبارو قفلت الباب، الأصوات من الشارع كانت داخلة من الشقوق—عيال بتعيط، راديو شغال كومان، ريحة الفول المحروق، سألت أمبارو "معاك فلوس قد إيه؟"، فتحت كونسويلو شنطة قديمة بإيدين مرتجفتين وقالت "سبعة وأربعين بيزو"، أمبارو سكتت شوية وقالت "هحاول أكلمه من تليفوني"، اتصلت بالرقم اللي كونسويلو فاكراه عن قلبها، الرقم مش شغال، جربت تاني، نفس النتيجة، هو غيّر رقمه، كونسويلو خفضت راسها وهي ماسكة صندوق الكوتشينة وقالت "أنا أقدر أغسل هدوم…
مش عايزة أكون عبء"، لكن اللي جاي كان أكبر بكتير من التخلي، وأكبر بكتير من اللي هيصدم الابن اللي فاكر إن الموضوع انتهى، بعد كام يوم بدأ الحي كله يتكلم عن دكتور مشهور اسمه ماوريسيو إسترادا، الراجل اللي باع بيت والدته العمياء، بدأ يحس بحاجة غريبة، شوية مشاعر، إحساس بالندم، مكنش فاكر إن الأيام اللي ضاعت والفلوس اللي جمعها مش هتدي له راحة، فجأة اتلقى اتصال من صديق قديم قاله "عارف إنت عملت إيه لأمك؟"، قلبه وقع، حس بغصة في صدره، قرر يروح على البيت القديم، البيت اللي نشأ فيه، وصل، لقى الحي كله بيهزروا معاه، الأطفال بيضحكوا وهو مش شايفهم، ريحة الغسيل والعراقة والعرق فاضت في الجو، وبص حواليه، شافها… أم بارو ماسكة له أمه العمياء، ضهرها واطي والعيون مش شايفة، قلبه وقع، حاول يقرب منها لكن كل خطوة كانت ثقيلة، حاول يتكلم وقال "ماما… أنا…"، لكن دموعها ما كانتش للعرض، كانت دموع ألم، دموع خسارة، دموع سنين كلهن راحت من غير أي رحمة، الكلمة اللي خرجت من بقها "ليه… ليه سبّتني؟"، حط ماوريسيو ركبته على الأرض، حس بغصة كبيرة في قلبه، حس بالندم، حس بالوحدة، حس بالذنب، أدرك إن كل فلوس الدنيا مش هترجع له الأم اللي ضحّت من أجله، بدأ يبكي لأول مرة في حياته، وهي قالت "لسه بدري… بس ربنا كبير… الحياة مش كلها فلوس… الحب والرحمة أهم"، ماوريسيو فضل جنبها، حاول يصلح اللي حصل، وبدأ يشتغل معاها على حاجة بسيطة، غسل هدوم، رتّب البيت، رجّع الروح اللي راحت، تعلم إن مش كل نجاح في الحياة بالفلوس أو بالجاه، الأم هي أغلى حاجة، وإن الأيام اللي ضاعت… عمره ما هيقدر يرجعها،
ومن اليوم ده قرر يعيش بطريقة مختلفة، يعتني بأمه، يرجع للحي، يرجع لروحه الإنسانية، ولأول مرة حس بمعنى الكلمة "بيت"… مش مكان، لكن قلب وعائلة ومحبة…
بعد اللي حصل، ماوريسيو فضل جنب أمه وهو حاسس بغصة كبيرة في قلبه، حس إن كل فلوس الدنيا مش هترجعله الأم اللي ضحّت من أجله سنين طويلة، اليومين اللي بعد كده قعد يفكر إزاي يعوّض اللي ضاع، قعد مع أمبارو في الساحة الصغيرة، يسمع كلامها ويلاحظ قد إيه أمّه كانت صابرة ومستحملة سنين من غير ما تقول كلمة، وبدأ يراجع كل لحظة من حياته، كل مرة طنش فيها أمّه أو تجاهلها، كل مرة فضل فيها نفسه وراح بعيد عنها، حس بشعور كبير من الندم، قرر من اليوم ده إنه يبدأ من الصفر، مش بالفلوس، لكن بالحب والاهتمام، رجع البيت القديم، بيت الأم اللي كان مليان ذكريات، بدأ ينضف ويصحح الأمور، أول حاجة عملها إنه غسل كل هدومها اللي كانت قديمة ومليانة غبار، رتب الصناديق، رتب أوراق زوجها اللي كانت محفوظة في الصندوق الأصفر، وبدأ يقراها واحدة واحدة، اكتشف إن كل ورقة فيها قصة، إيصال، تذكرة، رسالة صغيرة من الجيران، كل حاجة كانت جزء من حياته وذكرياته، بعد كده جلس مع أمّه، ماسك إيديها وبيقول لها "ماما… أنا غلطت… أنا كنت فاكر الفلوس هتعملني سعيد… بس اتعلمت، السعادة وفي البيت اللي ربّيتيني فيه، مش في أي حاجة تانية"، ودموعها سقطت، لكن المرة دي كانت دموع فرحة وأمل، وابتدت تحكي له حكايات عن أيام زمان، عن جاره القديم اللي كان بيشتري له حلوى من العيد، عن الغسيل اللي كانت بتغسله بإيدها طول النهار عشان يدرس، عن أصدقاءها والجيران،