إهانة في المكتب

لمحة نيوز

بعد ما سبت الشركة بأسبوعين كنت لسه بصحى مفزوعة من النوم على صوت الضحك اللي حصل يومها كأنه لسه في ودني وكنت كل ما أفتح الموبايل أحس إني مستنية رسالة تانية أو مكالمة تجرّني تاني لنفس المكان بس اللي حصل كان العكس تمامًا بدأت توصلني رسايل من ناس كنت فاكرة إنهم عمرهم ما هيكلموني زملاء قدامى بيقولولي إحنا شفنا اللي حصل وسكوتنا كان جبن وناس بتحكيلي مواقف شبه اللي حصلي بس كانوا ساكتين عشان الأكل والبيت والإيجار وأنا ساعتها فهمت إن اللي عملته ماكانش انتقام ولا شجاعة خارقة كان بس لحظة واحدة قررت فيها ما أسيبش نفسي تتحط تحت جزمة حد تاني وبالصدفة جالي إيميل من شركة تانية كانوا شايفين شغلي من زمان بس عمرهم ما كلموني لأن دايان كانت دايمًا بتديني تقييمات أقل من حقي قابلت المدير هناك وكان أول سؤال سألهولي مش عن مهاراتي ولا شهادتي لكن قاللي إنتي سكتّي

كتير قبل ما تتكلمي ليه وساعتها لأول مرة حسيت إن حد فاهم مش بيحاسبني على ضعفي بيشوفه كمرحلة وعدّت بدأت شغل جديد مكتب أصغر ناس أقل بس كل واحد فيهم صوته مسموع وفي أول أسبوع حصل موقف بسيط واحد رفع صوته على زميلته في اجتماع وكلنا سكتنا ثانية واحدة بس المدير وقف الاجتماع وقال لأ هنا مفيش حد يعلي صوته على حد وشفت في عيونها نفس النظرة اللي كانت في عيني زمان بس الفرق إن المرة دي المكان وقف معاها مش ضدها وبعد شهور بدأت أرجع أضحك ضحكة حقيقية مش ضحكة دفاع وبدأت ألبس ألوان كنت نسيّاها وبقيت أروح الشغل من غير تقل في صدري وفي يوم وأنا راجعة البيت وقفت قدام المراية وافتكرت شكلي وأنا متغرقانة زبالة وسط الأوفيس وحسيت بشفقة مش على نفسي وقتها لكن على كل اللي ضحكوا وسكتوا لأنهم فضلوا مكانهم وأنا مشيت وكملت وفي اللحظة دي فهمت إن النهاية الحقيقية مش إن كايل
اتعاقب ولا دايان مشيت النهاية إن أنا ما بقيتش إيما اللي تستنى حد يدوس عليها عشان تتحرك بقيت إيما اللي أول ما تحس بالإهانة تعرف تمشي وتختار نفسها وده كان أكبر انتصار.

ومع الوقت بطلت أفتكر اليوم ده ككارثة وبقيت أشوفه كعلامة فاصلة في حياتي زي خط متسحب بالقلم بين قبل وبعد قبل كنت فاكرة إن الشغل تعب وسكوت وتحمل وإن الكرامة رفاهية وإن اللي يعترض بيتشال واللي يسكت يكمل بعد بقيت فاهمة إن السكوت مش أمان وإن أكتر حاجة بتغذي الظلم هي إن الناس المحترمة تفضل هادية زيادة عن اللزوم بقيت لما أشوف حد بيتقلل منه قلبي يدق بس ما أسكتش ولو حتى بكلمة بسيطة أو نظرة أو وقفة جنب الشخص المكسور لأنّي عارفة الإحساس ده كويس عارفة إحساس إنك تبقى واقف وسط ناس كتير وحاسس إنك لوحدك وفي مرة بنت جديدة في الشغل سألتني بهمس إزاي بقيتي قوية كده ضحكت وقلت لها أنا ما بقيتش

قوية أنا بس بطلت أقبل القلة ولما مشيت يومها وأنا راجعة البيت افتكرت اللحظة اللي قلت فيها لكايل شكرًا مش هنسي اللي حصل ده وافتكرت قد إيه الكلمة كانت هادية بس تقيلة وقد إيه أحيانًا أبسط رد هو اللي بيقلب الموازين ودلوقتي كل ما أعدي قدام مبنى الشركة القديمة وأشوف الشبابيك النور فيها مولع ما بحسش بمرارة ولا غل بحس بحاجة شبه الامتنان لأن لو ماكنش كيس الزبالة ده اتقلب فوق دماغي يمكن كنت لسه هناك ساكتة مستحملة فاكرة إن ده الطبيعي يمكن كنت لسه فاكرة إن قيمتي أقل من غيري بس اللي حصل خلاني أفوق وعلّمني إن الإنسان مش بيتقاس بالمكان اللي الناس بتحاول تحطه فيه لكن بالمكان اللي يقرر هو يمشي له برجليه وعلّمني إن أقذر موقف ممكن يبقى أنضف بداية وإن في لحظة واحدة ممكن الضعف يتحول لوعي والسكوت يتحول لصوت والنهاية الحقيقية مش إنهم خسروا لكن إن أنا كسبت نفسي.

تم نسخ الرابط