الدفاع عن النفس ل نور محمد
وبعد محاولات إيقاظه ورش ماء الزهر على وجهه فتح عينيه
و نظر مطولا إليها
وكأنه يحاول تذكرها
قائلا من أنت ؟وماذا تفعلين هنا ؟
أين سعاد أريد سعاد
من هي سعاد
كان جدي يهلوس ويتكلم كأنه لا يعرفنا
مناديا باسم سعاد
وننظر لبعضنا بقلق
إلا جدتي التي نظرت إليه بجد سعاد هي ابنة خالته وكان يحبها
وتزوجت من ثري عربي وتركت الشام منذ اكثر من نصف قرن
لكن جدي لم يستوعب وكأن عقله كان مغيبا وكأن شخصا آخر حل مكانه
أخذت جدتي من يدها إلى جنب وقلت لها هل جدي مريض قالت لا لم يكن كذلك
ولكنه منذ مدة يعاني بعض امراض الشيخوخة وفقدان ذاكرة
أحضر عمي الطبيب وهو جار لنا وكان تشخيصه جلطة دماغية وأوصى بتحاليل وصور أشعة وطبعا سارع أعمامي إلى إجراء ما يلزم وسط حزن وذهول وخوف وقلق من الجميع
لزمت جدتي الصمت وكأن الصدمة أصابت عقلها ولسانها معا
فهذا الرفيق لازمته دهرا حتى نسيت أنها كانت حية قبل ارتباطها به منذ اكثر من خمسين عاما وكانت لاتزال في الخامسة عشرة من عمرها وقد أحاطها بالحب والدلال وكأنها أميرة
الكل شارك بما يستطيع من جهد بعد مرض جدي المفاجئ نحضر الدواء ونعصر البرتقال ونبتعد عن اللعب والضجيج أمام غرفته
جدتي كانت تمسك بيده وكأنها تخشى رحيله فجأة كما وقع فجأة
وتمر الأيام حتى ذلك اليوم الحزين
أعلن فيه جدي عن استسلامه من هذه الحياة وبات يتنفس بصعوبة وصدره يختلج صعودا وهبوطا
التف الجميع حوله بارتباك لا يعرفون ماذا يفعلون حتى حضور الطبيب
في هذه الأثناء صار يتحدث بلغة مبهمة وأحرف غير مفهومة
سو ع ا د سو عا د
وفي لحظة من لحظات القدر المهيبة
صرخت جدتي إنها ينادي حبه السابق ابنة خالته التي أحبها
ونظرنا إلى بعضنا بصمت
كان ينادي اسما ابتعد عنه نصف قرن
وكأنها بقربه الآن
وكلما نادى تقترب جدتي لوجهه اكثر،وكأنها تتأكد مما سمعت
لقد نطق فمه بمن أحب قلبه في لاوعيه وكأنما لسانه يقول لم أنسى حبي الأول رغم عشقه لهذه الجدة عروسه البيضاء ورغم حياته السعيدة معها ودلاله لها لكنه لم يكف عن حب صار خيالا وتلاشى في دروب النسيان
كانت الكلمات القليلة كفيلة
وماذا بعد
تهامسنا سرا من تكون سعاد التي كانت آخر كلمة كاملة واضحة قبل أن يسلم الروح عصر ذلك اليوم الحزين
ودخلت الأسرة بمراسم الحداد وتوافد الأقرباء والجيران والمعارف لتعزيتنا وجدتي صامتة ظن الجميع انه الحزن على الفقد الموجع
لكن جدتي كانت تشعر بشيء ثقيل وخيانة صامتة والكثير من الخذلان
مامعنى ان ينساها وهي رفيقة الدرب وحبيبة العمر ويذكر اسما لحب ضائع في متاهات الغياب
قرأت مافي عينيها واستشعرت مافي قلبها
لقد كسرجدي بيتا كبيرا واسعا بناه في سنين طوال وهدمه في لحظة انكسار
خمسة عشرة يوما مر على الرحيل وكل يوم أتخيله يلعب مع حفيد ويختبئ من آخر كطفل يأبى أن يكبر
تدهورت صحة جدتي كثيرا ولم تعبأ بنصائح الطبيب وتناول الدواء بمواعيده والضغط ارتفع عندها حتى آثرت روحها الرحيل
الجميع قال ان جدتي لم تستطع العيش بلا جدي وأن قلبها
إلا نحن أسرتها وخصوصا انا كنت الأكبر وفي بداية الشباب لطالما استذكرت هذه الأيام المؤلمة في حياتي
وشهدت اكبر قصة حب وخذلان قبل أن يدق الحب باب قلبي
لقد صمت الحب في عقله طويلا وأبى ان يغادر قلبه حتى الرمق الأخير الذي قلب حياة جدتي واقتنص من حياتها عمرا آخر وجعل صحتها تتراجع معلنة الهزيمة والانكسار
لقدكسر كبرياؤها وقلبها معا بعد أن ظلت طوال حياتها المدللة والغالية على قلب جدي
فكيف ينطق باسم غير اسمها وهو يودع عمرا عاش فيها معها بهناء وسعادة لطالما حسدا عليها
طويت صفحة جدي وجدتي وتقاربت مناسبتي وفاتهما وكثير ما أشعر بأن جدتي لاتزال تنظر إلى جدي بعين العتب واللوم والخذلان وأنها رحلت بعده لتكمل العتاب ويطلب الصفح والمسامحة على هذه غير المعلنة
لم نتكلم في العائلة عن هذا الأمر مطلقا وبقي سرا بيننا كلما تلاقت نظراتنا عندما يأتي الحديث عنهما
كانا ولا يزالان في ذواكرنا قصة حب وسلسلة لا تنتهي من الذكريات الجميلة ينبض
تمت
يسرى كنعان