كنت فاكر إن أصعب لحظة عدت يوم ما شفت الكدمات على ضهر إيما لكن الحقيقة إن الأصعب كان اللي جه بعد كده لما بدأت أفهم قد إيه بنتي كانت شايلة خوف جواها أكبر من جسمها الصغير. في أول أسبوعين كانت بتنام جنبي على الكنبة تصحى مفزوعة من أقل صوت ولو التليفون رن فجأة تمسك في دراعي كأن حد بيشدها مني وكنت كل مرة أقول لنفسي إني لازم أبقى قوي علشانها حتى لو أنا من جوايا متكسر ومش مصدق إن الإنسان اللي عشت معاه سنين وشاركني كل تفاصيل حياتي طلع فيه الجانب ده اللي ما شفتوش أو يمكن ما حبيتش أشوفه. التحقيقات كشفت حاجات أكتر رسائل صوتية اعترافات جزئية مبررات كلها بتدور حوالين الضغط والغيرة والإحساس بالإهمال لكن ولا سبب في الدنيا يبرر إيد تتمد على طفلة عندها تمانية سنين وكنت كل ما أسمع تبرير أحس بغضب يغلي جوايا وبنفس الوقت إحساس بالذنب ينهشني إني ما خدتش بالي بدري إني كنت بصدق كلمة وقعت وخبطت نفسها من غير ما ألاحظ إن الوقعات دي دايما بتيجي وأنا مش موجود. إيما بدأت جلسات علاج نفسي وفي الأول كانت
رافضة تتكلم تقعد تبص للأرض وتحرك رجلها في توتر لحد ما في يوم رجعت من الجلسة وسألتني فجأة هو أنا كنت وحشة يا بابا السؤال ده كسرني أكتر من أي حاجة قعدت قدامها على الأرض وبصيت في عينيها وقلت لها إن مفيش طفل وحش يستاهل الضرب إن الغلط عمره ما كان غلطها وإن الكبار هما اللي المفروض يتحكموا في غضبهم مش يطلعوه في أضعف حد في البيت ومن يومها بدأت تتغير سنة سنة ببطء لكن بثبات بقت تحكيلي تفاصيل يومها ترجع تضحك على نكت بسيطة تطلب مني أسمعها وهي بتتدرب على الكمان حتى لو النغمة مش مظبوطة وكنت كل مرة أسمع صوت الكمان أحس إنه مش بس موسيقى ده صوت تعافي صوت روح بترجع تتصلح. المدرسة كمان كانت تحدي لأنها كانت خايفة حد يعرف أو يبص لها بشفقة قعدت معاها وقلت لها إن الشجاعة مش إننا نخبي اللي حصل لكن إننا ما نخليش اللي حصل يحدد إحنا مين وبعد فترة قصيرة بدأت تشارك في أنشطة أكتر دخلت فريق الرسم ورسمت لوحة لبنت واقفة تحت مطر أسود وباب مفتوح قدامها فيه نور لما سألتها ده إيه قالت لي دي أنا لما خرجت من الأوضة
وجيت معاك ساعتها عرفت إن اللحظة اللي مسكت فيها إيدها ونزلنا السلم كانت فعلا باب النور ده. القضية خلصت بحكم يمنع رايتشل من الاقتراب وكانت لحظة مختلطة المشاعر حزن على اللي ضاع من صورة الأسرة اللي كنت متخيلها وراحة إن إيما بقت في أمان رسميا لكن الحياة ما بتمشيش بورق المحاكم بس بتمشي باليوم ورا اليوم بالثقة اللي بتتبني من جديد وبالأسئلة اللي بتيجي فجأة في نص الليل زي لما صحيت مرة لقيتها قاعدة في السرير بتبص للباب وقالت لي إنت هتفضل هنا على طول قلت لها طول ما إنت محتاجة لي أنا هنا ومن ساعتها بقى عندنا طقس صغير كل ليلة أسيب باب أوضتها موارب نور خفيف في الممر وإشارة بينا إن الأمان مش كلمة بنقولها لكن إحساس بنعيشه. بعد سنة تقريبا جالها فرصة تعزف سولو في حفل أكبر على مستوى المحافظة وقبل ما تطلع المسرح مسكت إيدي وقالت لي فاكر الرسالة اللي بعتها لك هزيت راسي وأنا قلبي بيدق قالت لي أنا كنت مرعوبة ساعتها بس دلوقتي أنا مش خايفة ابتسمت لها وقلت وأنا مش هسمح لحد يخليك تخافي تاني طلعت على
المسرح الأنوار ساطعة والجمهور ساكت وأول نغمة خرجت من الكمان كانت ثابتة قوية واثقة نفس الطفلة اللي كانت بتهمس بخوف بقت واقفة قدام مئات الناس من غير ما ترتعش وأنا قاعد في الصف الأول حاسس إن كل المعارك اللي خضناها كانت علشان اللحظة دي لحظة تشوف فيها بنتك واقفة مستقيمة مكسورة مرة لكن ما انهزمتش ولما خلصت وعملت التحية دورت علي وسط الناس زي كل مرة لكن المرة دي ما كانش في خوف في عينيها كان في فخر وساعتها فهمت إن الجزء التاني من الحكاية ما كانش عن الألم كان عن الشفاء عن أب اتعلم يسمع قبل ما يفترض وعن بنت صغيرة علمت أبوها إن أقوى حاجة في الدنيا مش القوة نفسها لكن الثقة اللي بتخلي حد يكتب رسالة بسيطة ويطلب المساعدة ومن يومها وإحنا ماشيين لقدام يمكن ببطء يمكن بندوب لسه بتفكرنا بالماضي لكننا أحياء مع بعض وبنبني بيت جديد أساسه الأمان والحب والصدق وكل ما الموبايل يرن تجيني رسالة منها حتى لو كانت مليانة إيموجي وكلمات متلخبطة بابتسم وأفتكر إن رسالة واحدة في يوم عادي قدرت تغير مصيرنا كله.