عودة جونيور

لمحة نيوز

ابتلعت حجارة.
بعد الزفاف قادني يهوذا إلى كوخه. كان صغيرا قذرا وحارا. الهواء بداخله مشبع برائحة العرق والطعام القديم.
تعالي هنا يا زوجة صاح لا بلطف كأنه يستمتع بالسيطرة. احكي ظهري.
تجمدت ثم تحركت. كان ظهره مغطى بالقروح. لامست أظافري نتوءات رطبة.
شعرت بالغثيان يصعد لكنني ابتلعته كأمر واجب.
اطبخي طعامي أمر بعد ذلك.
طبخت بيدين مرتجفتين أحاول ألا أتنفس من أنفي.
غسلت ملابسه. تحول الماء إلى بني بسرعة. فركت حتى تألمت أصابعي حتى شعرت أن كبريائي ابتعد كثيرا.
مرت أسابيع. ظل وجهي مشوها. واصل شعري التساقط. بقي انعكاسي خاطئا.
لكن شيئا آخر تغير ببطء داخلي.
توقفت عن التفكير في وجهي كل دقيقة لأنه لم يعد مهما.
لم تعد المرآة صديقتي. صارت شيئا يراقبني.
بدأت أنظر إلى وجوه الآخرين بدلا من ذلك.
وجه أمي المتعب. وجه أبي القاسي.
حتى وجه يهوذا القبيح الوجه الذي كان الناس يضحكون عليه كل يوم.
وفي يوم ما رأيت يهوذا جالسا وحده في الخارج بينما كان الأطفال يسخرون منه من بعيد.
رموه بحصى صغيرة ثم ركضوا ضاحكين.
لم يطاردهم. لم يصرخ.
جلس فقط مطأطئ الرأس كأنه قبل مكانه في هذا العالم.
كانت تلك أول مرة ينقبض فيها صدري من أجله.
لم يكن حبا ولا رومانسية.
بل ألم غريب كأنني فهمت أخيرا ماذا يعني أن ينظر إليك بقرف.
بدأت أفعل أشياء صغيرة دون أن يطلب مني.
جلبت الماء لأمي. ساعدت امرأة عجوزا في حمل دلو.
ليس لأنني أردت مدحا بل لأنني لم أعد أحتمل رؤية الضعف نفسه الذي كنت يوما ما أحتقره.
في الليل كان يهوذا لا يزال يصرخ بالأوامر.
أحيانا كان قاسيا بلا سبب.
وأحيانا كان صامتا يحدق في يديه كأنه يريد أن يسلخ جلدهما
منذ ذلك اليوم بدأت المرآة تريني تفاصيل صغيرة لم أرد معرفتها.
أرتني أمي تبكي وحدها ليلا.
أرتني أبي يهمس بصلوات
أرتني يهوذا يحدق في الأرض شفاهه تتحرك كأنه يعتذر لشخص غير موجود.
وأحيانا كانت تريني شخصا يقف خلفي بلا وجه مجرد ملامح رأس وكتفين يتنفس بهدوء.
وعادت الرائحة أيضا.
خشب قديم منقوع في ماء قذر.
نفس عفن.
رائحة تبقى على لسانك.
بدأت أتجنب المرآة مرة أخرى لكن ذلك لم يجد.
كنت أشعر أنها تراقبني حتى وهي مغطاة.

عندما أمر بجانبها كانت شعيرات ذراعي تقف.
الهواء حولها كان أبرد.
كأنها تسحب الدفء من الغرفة.
في إحدى الأمسيات عاد يهوذا بجرح صغير في يده. كان ينزف.
أسرعت لأحضر ماء وقطعة قماش.
نظر إلي كأنه لم يتوقع لطفا.
لماذا تفعلين ذلك سأل وصوته أخفض من المعتاد.
قلت ببساطة لأنك تنزف.
فاجأتني الكلمات. بدت عادية بلا كبرياء.
أدار وجهه بسرعة لكنني رأيت عينيه تلمعان قليلا كأنه يحبس شيئا في داخله.
تلك الليلة لم يصرخ.
أكل بصمت.
استلقى وواجه الحائط.
كانت رائحته لا تزال موجودة لكنها لم تعد تبدو كعقاب.
وعند منتصف الليل حلمت
في الحلم كانت ماما مايكل جالسة على مقعد منخفض بجانب مرآتي. لم تبد غاضبة. بدت متعبة كأنها امرأة فعلت ما كان عليها فعله وانتهى الأمر.
قالت لقد تعلمت.
لم يكن صوتها هذه المرة كالرعد بل هادئا كأم تكلم ابنتها بعد أن عاقبتها.
حاولت أن أسألها إلى أين ذهبت لكن فمي لم ينفتح. في الحلم كان شرخ المرآة يتسع ببطء كابتسامة
استيقظت والعرق على عنقي. كانت الغرفة تفوح برائحة الخشب الرطب من جديد. يهوذا كان نائما. المرآة صامتة.
نهضت وخرجت لأجلب الماء باكرا قبل شروق الشمس. انحنيت فوق الإناء ورأيت انعكاسي في الماء.
لأول مرة منذ أشهر لم يكن وجهي مشوها.
بدت بشرتي أنعم. عيناي لامعتين من جديد. شعري كثيفا.
ضربني الارتياح كضعف مفاجئ. بدأت أبكي وأضحك في الوقت نفسه.
ركضت إلى الكوخ لأري يهوذا.
قلت وأنا ألهث انظر لقد شفيت.
جلس ببطء وحدق بي. لم يبتسم ابتسامة عريضة. فقط أومأ برأسه كأنه كان يتوقع ذلك.
قال بهدوء أنت حرة.
وقف يهوذا وتقدم نحو المرآة بلا خوف. رفعها بكلتا يديه كأنها أخف مما ينبغي.
بدأ قلبي يخفق بعنف.
ماذا تفعل سألت.
لم يجب. حمل المرآة إلى الخارج في هواء الصباح الباكر ووضعها مستندة إلى الجدار
ابتلع يهوذا المرآة دفعة واحدة في الصباح الباكر. الصوت الصامت للزجاج المتحطم اختفى في الهواء. نظرت إليه وأنا أشعر بثقل الأشهر الماضية يتلاشى شيئا فشيئا.
جلست على الأرض أتنفس ببطء والهدوء يملأ المكان لأول مرة منذ وقت طويل. لم تعد الرائحة الكريهة ولا الأصوات المخيفة ولا الشرخ ينغص حياتي. شعرت أن شيئا
ما في قلبي قد تغير أيضا.
نظر يهوذا إلي بهدوء وقال لقد انتهى كل شيء الآن. لا شيء سيؤذيك بعد اليوم.
ابتسمت له بخفة لا ابتسامة كبرياء بل ابتسامة ارتياح وسلام. شعرت أنني أخيرا أستطيع أن أرى العالم بعيون طبيعية وأن أعيش حياتي دون خوف من انعكاس أو لعنة أو أعين الآخرين.
في الأيام التالية عدت لأرى أمي وأبي. كانوا متعبين لكنهم سعداء. بدأت أساعدهم أكثر وأعتني بالآخرين حولي ليس طلبا للمدح بل لأن قلبي أصبح أخف لأن كبريائي قد ذاب أمام تجربة جعلتني أفهم معنى التعاطف والتواضع والحياة نفسها.
وبينما الشمس تشرق على القرية الصغيرة شعرت أن الماضي لم يعد يملك سلطته علي. انعكاس المرآة لم يعد موجودا لكن الدروس التي علمته إياها كانت ستبقى معي للأبد أن الكبرياء يقتل وأن القلب الطيب وحده هو الذي يمنح الحرية والسلام
إن بقيت هذه القصة معكإن لامست شيئا عشتهفضلا إضغط ب وشاركه مع من يحتاجه. شكرا لوجودك هنا
القصة الثالثة 
أنا واقفة على السلالم الخرسانية خارج الاستاد أقبض على شهادتي كأنها درع. حولي خمسمائة عائلة يصرخون فرحا يطلقون مدافع القصاصات الورقية ويلتقطون صور السيلفي. أنا الخريجة الوحيدة بثوب أسود أحدق في حذائي خائفة أن أرفع عيني وألتقي بنظرات أحد. لا أريد أن أشرح لماذا أقف وحدي بلا أحد أحتضنه.
صعدت إلى المنصة قبل عشر دقائق. سار كل شيء على ما يرام. العميد هز رأسه
مبروك يا سارة.
كان هناك تصفيق مهذب ذلك النوع الذي يقدمه الغرباء مجاملة وهم ينتظرون اسم ابنهم. ابتسمت. قلت شكرا. ونظرت إلى المقعدين المحجوزين في الصف الثاني عشر.
كانا فارغين.
كنت أعلم أنهما سيكونان كذلك. لكن جزءا ساذجا طفوليا داخلي كان يأمل بمعجزة سينمائية. كنت أتمنى أن تفتح الأبواب في اللحظة الأخيرة.
مقعد أمي. كانت تريد أن تكون هنا. والله كانت تريد. لكن السرطان في مرحلته الرابعة لا يهتم بالتقويم الدراسي. التهم قوتها ثم ابتسامتها وأخيرا قدرتها على مغادرة سرير الرعاية في غرفة معيشتنا. هذا الصباح لم تستطع حتى الكلام. قبلت جبينها المتعرق وقلت
سأفوز بهذا من أجلنا يا أمي.
غيابها مبرر بالألم.
مقعد أبي. هو بخير. لديه سيارة.
لديه ساقان قويتان. تفقدت هاتفي وأنا أعدل قبعتي. رسالة واحدة وصلت بينما كنت أتسلم شهادتي بمرتبة الشرف
آسف انشغلت ببعض الأمور. أخبريني كيف كان الحفل.
انشغلت. كلمتان أثقل من ديوني الجامعية. ليست حالة طارئة. ليست عجلة مثقوبة. مجرد أمور. تفاهة اللامبالاة. اختار والدي روتينه على لحظتي التي لا تتكرر.
أدخل إلى موقف السيارات. إنه كابوس من فرح الآخرين. أرى آباء يبكون فخرا. أرى أمهات يصلحن ياقة أبنائهن. أرى أصدقاء يحملون باقات ورد حمراء بحجم الشجيرات. أشعر بأنني عارية. كأنني دخيلة على احتفال بالحياة. أمشي مسرعة ورأسي منخفض. يصطدم بي أحدهم
مبروك يا خريجة!
شكرا أتمتم وأهرب قبل أن يروا عيني الممتلئتين بالدموع.
أستقل المترو إلى البيت.
أنا فقط وقبعتي وثوب التخرج وشهادتي وبطاقة المواصلات المجعدة. الناس ينظرون. سائح يبتسم. يظنون أنني عائدة من حفلة. لا يعلمون أنني عائدة من جنازة توقعاتي.
أفتح باب الشقة. صمت. فقط صوت جهاز الأكسجين في غرفة أمي يهمس بثقل في الممر. أذهب إلى غرفتي. أخلع الثوب المصنوع من بوليستر رخيص. أركل الكعبين اللذين ملآ قدمي بالبثور. آخذ الشرابة الذهبية التي تحمل سنة التخرج وأعلقها على مسمار فوق مكتبي. المكتب ذاته الذي قضيت أربع سنوات أحتسي عنده قهوة سريعة وأبكي من الإرهاق.
أجلس على حافة السرير. وأخيرا أنهار.
أبكي كل الدموع التي حبستها أمام العميد. أبكي على أم لا تستطيع أن ترى هذا اليوم. أبكي على أب لم يرد أن يراه. أبكي لأن الأمر غير عادل. كنت أستحق الصورة مع الزهور. كنت أستحق نخب الاحتفال.
ثم أمسح وجهي. أنظر إلى الشرابة المعلقة على الحائط. ساكنة. ذهبية.
وفي تلك الغرفة الهادئة أدرك شيئا قويا. هذه الشهادة تساوي الضعف.
لأن أحدا لم يمنحني إياها. لم يكن هناك شبكة أمان ولا أحسنت يا حبيبتي ولا دعم مالي. فعلت هذا وحدي. بين نوبات العمل المزدوجة في المطعم وبين تغيير أكياس المحاليل لأمي وبين لامبالاة أب لم يهتم. تسلقت الجبل وحدي بلا خريطة وبلا أكسجين.
اسمي سارة. اليوم تخرجت بلا تصفيق.
لكنني تعلمت أن أجمل صوت ليس تصفيق الحشود
بل صوتك أنت حين يهمس في الصمت
لقد فعلتها.
نجوت. وأنت كافية.
إن بقيت هذه القصة معكإن لامست شيئا عشتهفضلا إضغط ب وشاركه مع من يحتاجه. شكرا لوجودك هنا

تم نسخ الرابط