اختفت شقيقتان

لمحة نيوز


يكون منهكا. أعيدت مراجعة شهادات نسيت. تذكر نادل أن الشقيقتين سألتا عن شلال غير مشهور خارج المسارات المعتادة. وذكر موظف في النزل أنه رأى مركبة قديمة من دون لوحات واضحة متوقفة قرب الغرفة في الليلة الثانية. في حينها لم يعط أحد ذلك أهمية.
كما ظهرت روايات محلية كانت تعد مجرد قصص لتخويف السياح. تحدث بعض سكان روبينسفيل عن مناطق في الغابة لا تعود الأشياء منها كما كانت. وعن مسارات لا تظهر على الخرائط الرسمية. وعن تكوينات صخرية ارتبطت بحالات اختفاء قديمة لم توثق رسميا.
وكانت صخرة السرج إحداها.
وأظهرت السجلات التاريخية أنه منذ أواخر القرن التاسع عشر اختفى ما لا يقل عن خمسة أشخاص في مناطق قريبة من ذلك التكوين صيادون ومتجولون منفردون ومساح أراض. وفي كل الحالات لم يعثر عليهم. حتى الآن.
طرحت فرضية وجود شخص يتسبب في هذه الوقائع لكن سرعان ما تراجعت. لم يكن هناك نمط زمني ثابت. ولا سمات واضحة. والأهم لم يكن هناك تفسير لطريقة حفظ الهيئتين. فليس في أي معرفة مألوفة ما يفسر هذا الأثر في ظروف قاسية كهذه من دون أن يترك مؤشرات واضحة.
واقترح بعض الخبراء احتمال وجود مركب تجريبي لكن لماذا يستخدم في عمق الغابة في مكان يكاد يكون مستحيل الوصول إليه وكيف ينقل ما يلزم لذلك من دون أن يلاحظ أحد
بدأ التحقيق ينزلق إلى منطقة
غير مريحة منطقة لا تنسجم فيها الإجابات مع الإجراءات المعتادة.
جرت دراسة عينات من المادة الشبيهة بالشمع. وجاءت النتائج غير حاسمة. أظهرت التركيبة عناصر طبيعية ممزوجة بمركبات لا يفترض أن تجتمع بتلك الصورة. لم تكن اصطناعية بالكامل ولا عضوية بالكامل. كانت شيئا هجينا يصعب تصنيفه.
وفي هذه الأثناء واجهت عائلة الشقيقتين واقعا مفجعا. لم تفقد فالنتينا ولويس فحسب بل بات عليهما تقبل نهاية لا يستطيع أحد تفسيرها. عادت الصحافة التي كانت قد تجاهلت القضية عامين بقوة. وأسهمت الصوربعد تنقيحها بعنايةفي إطلاق موجة من التأويلات.
تحدث بعضهم عن طقوس. وتحدث آخرون عن جماعات منعزلة في الأبالاش. وذكر غيرهم أساليب متطرفة للحفظ. لم تصمد أي نظرية أمام تمحيص عميق.
كان الأمر الوحيد الواضح هو هذا لم يكن ما جرى أمرا عابرا. ولم يكن اختفاء بسبب الضياع فحسب.

كان هناك تدخل مقصود من جهة ما.
وإذا كانت فالنتينا ولويس قد وصلتا إلى قمة صخرة السرج فإن الغابة لم تكن مجرد مسرح. كانت جزءا من السياق.
ومع تقدم المحققين بدأت تفرض نفسها فوق كل الأسئلة الأخرى مسألة واحدة ليس من فعل ذلك فحسب بل لماذا ذلك المكان لماذا وضع الهيئتين تحت السماء على قمة تكوين يبدو أنه صمم كي لا يعثر عليه
بدت الإجابة التي ما تزال مخبوءة مرتبطة بالأيام الضائعة. بما حدث بعد أن غادرت الشقيقتان النزل ودخلتا منطقة تتوقف فيها القواعد المألوفة عن العمل.
وسيظهر الجزء التالي ما الذي كان يعرفه أهل روبينسفيل حقا ولماذا تعلموا على مدى عقود ألا يطرحوا أسئلة كثيرة عن بعض مناطق الغابة.
كانت روبينسفيل دوما مكانا يساوي فيه الصمت أكثر من التفسيرات. ومن الخارج تبدو البلدة كغيرها من تجمعات الأبالاش الصغيرة محطات وقود قديمة وحانات خشبية داكنة ووجوه لا تتبدل كثيرا مع السنين. لكن بعد العثور على الهيئتين في صخرة السرج بدأ ذلك الصمت يتشقق.
عندما بدأ المحققون باستجواب أقدم السكان واجهوا مقاومة صامتة. لم يرفض أحد الكلام صراحة لكن الإجابات جاءت ضبابية مراوغة ناقصة بعناية. عبارات مثل تلك المنطقة ليست جيدة لمن يتيه أو هناك أماكن من الأفضل ألا تذهب إليها خصوصا ليلا تكررت بصورة مقلقة. لم تكن تحذيرات مباشرة كانت حدودا.
بدأ اسم يظهر في أحاديث خاصة لا في إفادات رسمية الحارس. لا بوصفه شخصا محددا بل بوصفه حضورا مرتبطا بالغابة العميقة. وصفه بعضهم بأنه قصة تحكى للأطفال كي لا يعصوا. وخفض آخرون أصواتهم عند ذكره كأن مجرد نطق الكلمة دعوة غير مرغوبة.
وبحسب روايات جمعت بعيدا عن التسجيل لم يكن الحارس يختار بدافع حاجة أو متعة. كان ينتقي. وكان ينتقي دوما من يدخلون دون معرفة القواعد غير المكتوبة للمكان عابرو السبيل الغرباء الذين لا يقرأون الإشارات.
وكانت فالنتينا ولويس تنسجمان تماما مع ذلك الوصف.
قدم حارس غابات متقاعد وافق على الحديث شريطة عدم الكشف عن هويته تفصيلا مهما. ففي تسعينيات القرن الماضي أثناء دورية جوية بعد حريق غابات رأى شيئا غريبا على قمة صخرة السرج. لم ير هيئات ولا تماثيل بل لمعانا مصفرا كأن الصخر نفسه مغطى بطبقة شبه شفافة تعكس
الشمس بصورة غير مألوفة. وعندما عاد بعد أيام مع فريق أرضي لم يجد شيئا. ولم يحفظ التقرير رسميا.
وتحدثت شهادة أخرى عن أصوات. متجولون قالوا إنهم سمعوا طرقا منتظما تحت الأرض في بعض الليالي كأن أحدا يعمل على الحجر من داخل الجبل. لا انفجارات ولا ضجيج آلات. طرقات بطيئة مقصودة تتوقف عندما يقترب أحد أكثر مما ينبغي.
بدأ المحققون يرسمون خريطة للاختفاءات التاريخية في المنطقة فاكتشفوا أمرا مقلقا لم تكن عشوائية. كانت تشكل نمطا جغرافيا يتقاطع مرة بعد مرة حول تكوينات صخرية محددة. كانت صخرة السرج واحدة فقط. وكان هناك ما لا يقل عن ثلاث مناطق أخرى مشابهة كلها صعبة الوصول كلها يتجنبها أهل المنطقة.
وعندما أعيد فحص سجلات النزل الذي أقامت فيه الشقيقتان ظهر تفصيل كان قد مر دون انتباه أعواما في ليلة اختفائهما طلب شخص خريطة قديمة للمسارات خريطة لم تعد تعطى للسياح لأنها تتضمن طرقا أغلقت منذ عقود. ولم تسترجع الخريطة.
كانت تلك الخريطة تظهر مسارا لا يظهر في أي سجل حديث خطا يقود مباشرة إلى أخدود طبيعي قريب من صخرة السرج. طريقا يقول كبار السن إنه لا يستعمل إلا عند الضرورة.
لم يعد السؤال ما إذا كان أحد في البلدة يعرف أكثر مما يقول بل كم عدد الذين يعرفون ومنذ متى.
بدأت فرضية شخص واحد تتهاوى. إذ لا يمكن لفرد أن يحفظ سرا كهذا عبر أجيال. وما أخذ يتشكل كان أكثر إرباكا ليس الأمر فعلا منفردا بل تفاهما ضمنيا قبولا جماعيا بأن الغابة تأخذ شيئا مقابل هدوء البلدة.
لم تكن الهيئتان المحفوظتان على القمة رسالة للعالم الخارجي. كانتا تذكيرا داخليا علامة على أن الميزان اكتمل مرة أخرى.
لم تكن فالنتينا ولويس مخفيتين بل كانتا موضوعتين للعيان.
ثم ظهرت القطعة الأخيرة الأشد قلقا. كشف تحليل أعمق للمادة التي تغلف الهيئتين عن آثار لقاح نباتات لا تنمو في كارولاينا الشمالية. نباتات لا توجد إلا في كهوف عميقة بلا ضوء ضمن ظروف قاسية. وكان لهذا معنى واحد.
قبل الوصول إلى القمة كانتا تحت الأرض.
في مكان ما تحت جبال الأبالاش كان هناك فراغ خفي مساحة تعمل فيها المادة والزمن والإرادة البشرية على نحو مختلف. ولم تكن صخرة السرج هي البداية.
كانت المخرج.
وسيتناول الجزء التالي ما
الذي يوجد حقا تحت الغابة ولماذا بذلت روبينسفيل لأكثر من قرن كل ما في وسعها لإبقائه مدفونا.
على مدى عقود كان باطن الأبالاش يعامل كفراغ جيولوجي شبكة كهوف طبيعية لا أهمية لها إلا لهواة الاستكشاف. لكن بعد تحليل حبوب اللقاح التي وجدت على الهيئتين لم تعد تلك الرواية قابلة للصمود. فالنباتات المحددة لم تكن تنمو في غياب الضوء فحسب بل كانت تحتاج إلى ظروف من رطوبة وضغط وعزل لا تتوفر إلا في تجاويف عميقة محكمة الانفصال عن الخارج منذ قرون.
أجبر هذا الاكتشاف المحققين على النظر إلى الأسفل.
أظهرت مراجعة دراسات تعدين قديمة وثائق منسية تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر تقارير ناقصة خرائط مجزأة ملاحظات بخط اليد لمهندسين غادروا المنطقة فجأة. وكلها تتفق على أمر واحد مقلق تحت روبينسفيل ليس نظام كهوف مألوفا بل بنية غير عادية بأنفاق لا تتبع تشققات طبيعية وغرف تبدو كأنها شقت بقصد.
في عام 1897 حاولت بعثة تعدين خاصة استغلال عرق من الكوارتز قرب صخرة السرج. ألغي المشروع بلا تفسير بعد ستة أسابيع فقط. من أصل اثني عشر رجلا نزلوا للمرة الأولى عاد سبعة فقط. تتحدث السجلات الرسمية عن عدم استقرار الأرض. لكن رسائل شخصية لأحد الناجين تحدثت عن شيء آخر عن قاعات شديدة التماثل وجدران ملساء كأنها مصقولة وإحساس دائم بالمراقبة في الظلام.
ولم ترسل أي من تلك الرسائل. عثر عليها بعد عقود مخبأة داخل جدار مزدوج في منزل مهجور.
وعندما طلب فريق التحقيق تصاريح لإجراء مسوح زلزالية في المنطقة جاء الرفض فوريا. لم يصدر من الولاية بل من المقاطعة ذاتها. عللت الوثائق ذلك بمخاطر بيئية. إلا أن موظفا سرب عبارة لم تظهر في الأوراق الرسمية ليس من الآمن العبث بما هو متوازن.
وكان لهذا التوازن قواعد.
ومع ضغط الإعلام بدأ كبار السن في البلدة يغادرون روبينسفيل بصمت. بيوت تباع بأثمان منخفضة. رحيل ليلي. كأنهم يشعرون بأن شيئا على وشك الانفلات. لم يوافق على الكلام إلا قلة دائما بشرط ألا يسجل شيء وألا تكتب أسماء وألا تطرح أسئلة لاحقا.
وبحسب ما قالوه لم تكن الغابة تأخذ دائما بل تفعل ذلك حين تستفز. حين ينزل أحد أعمق من اللازم حين يحاول رسم الخرائط أو الاستخراج أو الفهم. عندها لم يكن
الحارس كائنا حيا بل وظيفة دورا يفرضه
 

تم نسخ الرابط