حطيته مكانه ماحسيتش إني فقدته تاني بالعكس حسيت إني عرفته أكتر عرفت ضعفه وخوفه وحبه وفي اللحظة دي قررت إن الحقيقة مش دايما بتكون وحش مرعب أحيانا بتكون إنسان بيحبك لدرجة يخبي وجعه سنين عشان يحمي قلبك طلعت من الجراج وأنا شايفة صورته قدامي مش كبطل مثالي لكن كراجل عادي اختار طول عمره يكون أب أحسن ما يقدر وده كان كفاية بالنسبة لي .
بعد الليلة دي ماقدرتش أنام كنت كل ما أغمض عيني أشوف أمي في عربية تحت المطر وأشوف مايكل واقف بعيد عنها بثواني قليلة ماقدرش يمسك الزمن ولا يرجعه فضلت ألف في البيت كأني بدور على حاجة ضايعة يمكن بدور على نسخة قديمة مني قبل ما أعرف الحقيقة الصبح رجعت الجراج تاني وفتحت الظرف كأني مستنية كلمة جديدة تظهر بين السطور لكن الرسالة كانت زي ما هي نفس الاعتراف ونفس الندم ساعتها بدأت أسأل نفسي سؤال عمري ما سألته قبل كده هو أنا زعلانة منه عشان خبى ولا عشان ماقالش ولا عشان خلاني أعيش سنين شايفة الحكاية ناقصة
حاولت أفتكر أمي بوضوح لكن ذكرياتي عنها كانت قليلة ومشوشة ضحكة بعيدة ريحة برفان خفيف صوت بيناديني يا روحي لكن الشخص اللي شكلني فعلا كان هو هو اللي كان بيصحى قبلي بساعتين عشان يجهزلي فطار المدرسة هو اللي كان بيحضر اجتماعات أولياء الأمور لوحده وسط أمهات وآباء هو اللي كان بيقعد على طرف سريري لما كنت أخاف من صوت الرعد وكل ما أفتكر ده الغضب كان يهدى شوية بعدها بأيام لقيت نفسي بدور على الراجل العجوز اللي كلمني في الجنازة سألت عنه لحد ما عرفت إنه كان جار قديم لأمي قبل ما تتجوز مايكل روحت له بيته وقلبي بيدق فتحلي الباب وبصلي كأنه مستنيني قلتله أنا فتحت الدرج قالي وأنا عارف إنك هتفتحيه سألته ليه قلتلي قال عشان الحقيقة لازم تبقى كاملة مش نص حكاية قاللي إن أمي كانت بتحبه كشخص كويس لكنها كانت متلخبطة وخايفة من ديونه وضغطه وإنها كانت فعلا ناوية تمشي ليلة الحادث لكنه أكد إن التحقيق أثبت إن الشاحنة هي اللي غلطت وإن السواق كان سكران
وهرب وإن مايكل اتسحب للتحقيق كشاهد بس وماكانش متهم قاللي إنه شاف بعينه إزاي مايكل انهار في المستشفى وهو شايفها بتموت ومش قادر يعمل حاجة وإنه من يومها بقى شخص تاني أهدى وأحن وأكتر خوف من إنه يخسرني أنا كمان وأنا بسمع الكلام حسيت إن الصورة بتكتمل مايكل عاش عمره كله شايل ذنب معنوي مش قانوني ذنب لحظة غضب ذنب كلمة اتقالت وماترجعتش رجعت البيت وأنا لأول مرة مش حاسة إني مخدوعة بالعكس حاسة إني شايفة إنسانيته قعدت في أوضته وفتحت الدولاب لقيت علب صغيرة محتفظ فيها برسوماتي وأنا طفلة لقيت فستان حفلة التخرج متغلف بعناية لقيت ملف فيه كل شهاداتي من أول حضانة الراجل ده عاش حياته كلها حوالين بنت مش من دمه وده اختيار ماحدش بيعمله لو قلبه مش نضيف بدأت أقرأ الرسالة تاني لكن المرة دي بصوت عالي كأني بكلمه قلتله كنت تقدر تقولي كنت هافهم يمكن كنت هازعل بس كنت هافهم وبعدين ضحكت من بين دموعي لأني عارفة إنه كان هيقول نفس جملته المعتادة أنا
بس كنت عايزك تبقي بخير بعد شهور قررت أزور قبر أمي وقبره في نفس اليوم وقفت بينهم وحكيت لهم كل حاجة قلت لأمي إني سامحت اللحظة اللي فرقتنا وقلت لمايكل إني سامحت السر حسيت بسكون غريب نزل على قلبي كأن الحمل اللي كان على كتافه طول عمره اتحول لنسمة خفيفة ومن يومها بقيت أحكي قصتي بشكل مختلف ماعدتش بقول أمي ماتت في حادثة وبس بقيت بقول إن الحياة ساعات بتاخد ناس بسرعة لكن تسيبلنا ناس تانية تعوضنا بحب أكبر بقيت لما حد يسألني عنه أقول كان أبويا وأقصدها أكتر من أي وقت فات الحقيقة ماكسرتنيش زي ما كنت فاكرة الحقيقة خلتني أكبر خلتني أفهم إن البشر مش أبيض وأسود إننا كلنا بنغلط وبنندم وبنحاول نصلح بطريقتنا ومايكل اختار يصلح بحياة كاملة من العطاء وده في نظري كان اعتراف أقوى من أي رسالة في درج قديم ويمكن الراجل العجوز كان فاكر إنه بيكشف سر خطير لكنه في الحقيقة كشفلي قد إيه كنت محبوبة طول السنين دي كلها وده كان أهم من أي إجابة تانية.