من قصص الصعيد ل نور محمد

لمحة نيوز

في ليلة من ليالي الصعيد اللي سكونها بيبقى تقيل كأنه شايل وجع السنين، كانت أوضة العمليات في مديرية الأمن هادية إلا من صوت مراوح السقف وورق بيتقلب، لحد ما التليفون رن رنة قصيرة مترددة، الموظف رد وهو متعود يسمع صريخ رجالة في خناقات وثأر ومشاكل كبيرة، لكن المرة دي جه له صوت واطي مبحوح كأنه خارج من بئر عميق، بنت صغيرة بتقول برجفة “أبوس إيدك يا عمو… تعال خده، سيف أخوي نشف خالص وبقى زي العود، وماما مش راضية تصحى تسقيه”، في اللحظة دي الضابط يحيى كان واقف جنب المكتب ماسك كوباية الشاي، سمع الجملة الأولى واتجمد، الكوباية وقعت من إيده واتكسرت على الأرض وهو خطف السماعة من الموظف وقال بسرعة “يا بنتي إنتي فين؟ اسمك إيه؟” ردت وهي بتاخد نفسها بالعافية “أنا ليلى… من نجع الخربة… سيف بيعيط من غير صوت، وأنا بأكله عيش مبلول ميه بس مش راضي يبلع، وماما نايمة من أول إمبارح ومش بترد عليا”، الكلمات كانت بتتقطع بين شهقاتها، كأنها خايفة حد يسمعها أو يمكن خايفة من البيت نفسه، يحيى حاول يثبت صوته وسألها عن الطريق، كانت بتوصف بعفوية طفلة “عدي من عند الجامع الصغير

اللي فيه لمبة حمرا، وبعده بيتنا آخر واحد جنب الشجرة الكبيرة اللي فيها عش غراب”، في دقائق كانت الدورية بتتحرك، الظابط منصور سايق بنفسه والعساكر جنبه، الطريق ترابي والليل حالك، كل واحد فيهم ساكت لكن جواه قلق مش مفهوم، لما وصلوا لآخر النجع شافوا بيت طين قديم بابه مقفول مفيش فيه نور ولا حركة، منصور نزل وخبط بقوة “افتحي يا ليلى أنا عمو الظابط متخافيش”، سمعوا صوت خطوات صغيرة ورا الباب وصوتها المكسور “مش قادرة أسيبه يا عمو… خايفة النمل ياكله هو وماما، أنا قاعدة جنبه ماسكة العصاية”، الجملة دي خلت منصور يحس إن قلبه بيتعصر، مستناش تاني، كسر الباب بكتفه، دخلوا الصالة الضلمة ونوروا الكشافات، المشهد قدامهم كان أقسى من أي بلاغ ثأر شافوه، ليلى قاعدة على الأرض مربعة رجليها، هدومها متسخة وشعرها منكوش، في حضنها طفل رضيع جلده لزق في عضمته وعينه مفتوحة نص فتحة من غير دموع، جنبها طاسة فيها عيش ناشف مبلول ميه، وبإيدها جريدة نخل بتهش بيها على جسم أخوها الصغير عشان تبعد النمل، أول ما شافت منصور قامت بخطوة مترددة وقالت برجاء “خده يا عمو بسرعة هو جعان وماما زعلانة
مني عشان معرفتش أخليه يسكت”، منصور ركب الدنيا إسعاف فورا، شال الطفل بإيده وهو خفيف كأنه ريشة، حس بحرارته ووشه الشاحب، العساكر خدوا ليلى يهدوها، لكنها مسكت في هدومه وقالت “بس صحي أمي الأول، هي قالتلي هنام شوية وخلي بالك من أخوكي، وأنا خليت بالي، والله خليت بالي”، منصور ابتلع ريقه ودخل الأوضة الداخلية، الريحة كانت خانقة، حط إيده على مناخيره وفتح كشاف الموبايل، الضوء وقع على جسد أم مرمي على السرير، ملامحها جامدة وساكنة، وشها شاحب وعينها نص مفتوحة، واضح إنها ماتت من يومين على الأقل، غالبا أزمة قلبية أو هبوط حاد، البيت مفيهوش أكل ولا دوا، ولا حتى تليفون تشحنه تستغيث، في اللحظة دي منصور حس إنه واقف قدام مأساة مش جريمة، فقر وعزلة قتلوا أم وسابوا طفلة تحرس جثمانها وتصارع الموت لوحدها، خرج وهو وشه متغير، ليلى بصت له بلهفة “صحيت؟” الكلمة دي كانت أقسى من أي حاجة، قعد على ركبته قدامها وقال بهدوء مخلوط بدموع “مامتك تعبت قوي يا ليلى وراحت عند ربنا… بس إحنا هنا ومش هنسيبك”، البنت سكتت ثواني وبعدين قالت بحيرة “يعني هتصحى إمتى؟” محدش عرف يرد، الإسعاف
وصلت وخدوا الطفل بسرعة على المستشفى، حالته كانت حرجة من الجفاف وسوء التغذية، الأطباء اشتغلوا عليه ساعات، حطوله محاليل وأكسجين، وقالوا لو كان اتأخر كمان ساعات كان زمانه راح هو كمان، ليلى قعدت على كرسي في المستشفى لابسة بطانية أكبر من حجمها، عينيها سرحانة ومش فاهمة غير إن أخوها جوه ومامتها مش موجودة، التحقيقات بعد كده كشفت إن الأب كان مسافر من شهور يدور على شغل ومقطوع أخباره، الأم كانت بتشتغل باليومية لحد ما تعبت فجأة ومحدش حس بيهم عشان البيت بعيد وفي آخر النجع، الجيران قالوا إنهم افتكروا البيت فاضي، محدش تخيل إن طفلة سبع سنين شايلة مسئولية رضيع وجثة أم يومين كاملين، الخبر انتشر في البلد كلها، الناس اتصدمت، جمعيات خيرية تحركت، أهل الخير جابوا لبس وأكل، الضابط منصور نفسه فضل يتابع حالتهم يوم بيوم، الطفل سيف بدأ يتحسن تدريجيا ورجع له صوته وبقى يعيط طبيعي، وليلى كانت كل يوم تسأل “هو سيف مش هيجوع تاني صح؟” ولما تتأكد إن في لبن وأكل تبتسم ابتسامة خجولة، النيابة قررت تسليم الطفلين لأسرة قريبة ليهم من ناحية الأم بعد ما اتأكدوا إنهم ناس كويسين،

تم نسخ الرابط