من قصص الصعيد ل نور محمد

لمحة نيوز

 ومنصور حضر بنفسه تسليمهم، قبل ما يمشي ركع قدام ليلى وقال “إنتي بطلة بجد، أنقذتي أخوكي”، هي بصت له بعينين أوسع من سنها وقالت “أنا بس كنت بخاف عليه من النمل والضلمة”، الجملة دي فضلت ترن في ودانه أيام طويلة، القصة دي هزت الصعيد مش عشان فيها جريمة أو ثأر، لكن عشان كشفت قد إيه ممكن الفقر والوحدة يعملوا فاجعة في صمت، أم نامت ومصحيتش، وطفلة صغيرة وقفت قدام الموت بعصاية وجريدة نخل وقلب مليان خوف ومسئولية أكبر من عمرها، ومن يومها بقى في دوريات بتمر على أطراف النجع أكتر، والجيران بقوا يخبطوا على بعضهم لو حد غاب يومين، أما ليلى فكبرت وهي فاكرة الليلة دي كويس، ليلة ما استنجدت بصوتها الصغير فسمعه حد، وليلة ما عرفت إن أحيانًا الشجاعة مش إنك تبطلي خوف، لكن إنك تفضلي واقفة جنب اللي بتحبيه حتى لو الدنيا كلها ضلمة حواليكي.

بعد ما الدنيا هديت شوية وخرجت جنازة الأم في صمت تقيل كأن البلد كلها شايلة ذنب إنها ماخدتش بالها، بدأت مرحلة أصعب من اللي فاتت، مرحلة ما بعد الصدمة، ليلى كانت ساكتة على غير طبيعتها، لا بتعيط ولا بتتكلم كتير، بس كل شوية تمسك في هدوم أي حد كبير وتسأله نفس السؤال “هو سيف شبعان؟” كأنها اختزلت العالم كله في بطن أخوها الصغيرة،

كانت بتصحى من النوم مفزوعة تدور حواليها ولو ملقتش سريره جنبها تصرخ جري لحد ما تطمن إنه موجود، أما سيف فكان جسمه بيتعافى بالراحة، وزنه يزيد جرامات بسيطة كل يوم، والدكاترة قالوا إن اللي حصل له اسمه جفاف حاد وسوء تغذية شديد، وإن تأخر ساعات بس كان ممكن يخلص على حياته، الكلمة دي كانت بتخلي منصور يقف ساكت يبص في الأرض وهو فاكر شكل ليلى وهي بتهش النمل بجريدة النخل، الأسرة القريبة اللي استلمتهم كانت طيبة فعلاً، خالتهم الكبيرة خدتهم في بيتها وقالت قدام الكل “دول في عيني قبل ولادي”، بس الحياة في بيت جديد مش سهلة على طفلة شافت اللي شافته، أول ليلة هناك ليلى نامت على الأرض جنب سرير سيف رغم إنهم فرشولها سرير لوحدها، ولما سألوها ليه قالت “لو النمل جه وأنا نايمة؟” وقتها الكل فهم إن الخوف لسه ساكن جواها، الأيام عدت وبدأت الجمعية الخيرية تساعدهم، جابوا لبس جديد، شنط مدرسة، وحتى ألعاب بسيطة، لكن ليلى ما كانتش بتلعب، كانت دايمًا قاعدة جنب سيف تبص له وهو نايم كأنها حارس شخصي، في المدرسة المدرسين لاحظوا إنها شاطرة بشكل غريب، تحفظ بسرعة وتكتب بخط مرتب، بس ترسم دايمًا بيت طين وشجرة كبيرة وعصاية صغيرة جنب طفل، المرشدة النفسية حاولت تقرب منها، وفي
جلسة طويلة سألتها “إنتي كنتي خايفة أكتر من إيه يا ليلى؟” سكتت شوية وقالت “كنت خايفة أصحى ألاقي سيف مش بيتنفس زي ماما”، الجملة دي خلت المرشدة تمسك دموعها بالعافية، بالتدريج بدأوا يشتغلوا على علاجها نفسيًا، يعلموها إن مسئولية أخوها مش لوحدها، وإن في ناس كبيرة موجودة تحميهم، أما منصور فكان بيعدي عليهم كل فترة، مش بصفته ظابط بس، لكن كحد حس إنه بقى مسئول عنهم، كان يجيب لسيف لعب صغيرة ويقول لليلى “إيه رأيك يا بطلة؟” فتبتسم لأول مرة ابتسامة واسعة تبين إنها لسه طفلة، بعد شهور جه خبر عن الأب، اتقبض عليه في محافظة تانية بسبب قضية نصب بسيطة، لما عرف اللي حصل انهار وطلب يشوف ولاده، النيابة درست حالته وشافت إنه غير مؤهل يستلمهم دلوقتي، يمكن الوجع ده كان قاسي عليه، لكنه كان أهون من إنه يرجعهم لحياة ضياع تاني، الوقت مشي وسيف بقى يمشي على رجليه الصغيرة، أول خطوة أخدها كانت في صالة بيت خالتهم، وقع وضحك، وليلى ضحكت وراه، الضحكة دي كانت بداية شفاء حقيقي، بقت تسيبه يلعب شوية من غير ما تبص عليه كل ثانية، وبقت تخرج تلعب مع بنات النجع، ترجع متربة ومبسوطة، ومع كل سنة كانت بتكبر أسرع من سنها بس بقلب أخف، في يوم من الأيام المدرسة كرمتها قدام الطلبة وقالوا
إنها مثال للشجاعة، وقفت على المسرح متوترة، مسكت الميكروفون وقالت “أنا ما كنتش شجاعة، أنا بس كنت أخت”، القاعة سكتت لحظة وبعدين التصفيق هز المكان، القصة اللي بدأت بمكالمة همس في نص الليل اتحولت لدرس لكل اللي سمعها، إن الفقر ممكن يكسّر بيوت، وإن الوحدة ممكن تقتل بصمت، لكن برضه قلب طفلة صغيرة يقدر ينقذ روح، منصور فضل سنين يحكي الحكاية دي لكل دفعة جديدة من العساكر ويقولهم “أوعوا تستهينوا بأي بلاغ، حتى لو صوت صغير بيهمس”، وليلى كبرت وبقت في إعدادي، حلمها تبقى دكتورة عشان “تصحي كل أم تعبت ومصحيتش”، كل ما تعدي جنب بيتهم القديم تبص له لحظة وتسكت، مش بخوف، لكن بحنين ممزوج بحزن، عرفت إن أمها ما سابتهاش بإرادتها، وإنها عملت اللي عليها وزيادة، وسيف كبر وهو مش فاكر حاجة من الليلة دي، لكن طول عمره سامع من الناس إنه كان بين الحياة والموت وأخته الصغيرة كانت السور اللي حماه، وفي كل مرة حد يسأل عن سر نومة الأم، الحقيقة كانت بسيطة ومرة، تعب وفقر ووحدة، لكن النهاية ما كانتش موت بس، كانت ميلاد قوة في قلب بنت سبع سنين علمت بلد كاملة إن أحيانًا أعظم البطولات بتحصل في صمت، في بيت طين صغير، من غير شهود غير ربنا وقلب طفلة قرر يفضل صاحي عشان غيره يعيش.

تم نسخ الرابط