تركوني في يوم عيد ميلادي

لمحة نيوز

بعد ما قفلت الباب في وشهم وسيبتهم واقفين قدام العمارة والدهشة باينة على ملامحهم، كنت فاكرة إن أصعب لحظة عدّت، لكن الحقيقة إن الأصعب كان اللي جاي، لأن القرار اللي بياخده الواحد عشان يحمي نفسه بيبقى سهل في لحظة غضب، لكن تطبيقه بيحتاج قلب جامد وصبر أطول من أي سفرية أوروبا، ماوريسيو فضل يحاول يتواصل معايا أيام، مرة يكلمني من رقم غريب، مرة يبعت رسالة طويلة يقول فيها إنه اتصرف من غير ما يفكر وإن أمه ضغطت عليه وإنه كان ناوي يفاجئني بهدية من باريس، كلام كتير متغلف بورق شيك لكنه فاضي من جوّه، وأنا كل ما أقرأ رسالة أفتكر صوت الشنطة وهي بتتقفل في المطبخ يوم عيد ميلادي وأفتكر نظرة البرود في عينه وهو بيقول “نحتفل لما نرجع”، ساعتها كنت أعرف إن اللي اتكسر مش فلوس ولا رحلة، اللي اتكسر ثقة، والثقة لما تقع مش بترجع زي الأول، في نفس الوقت حماتي كانت بتكلم قرايبهم وتحاول تقلب القصة عليا وتقول إني طردتهم فجأة وإني اتغيرت بعد ما الفلوس رجعت، لكن المستندات كانت واضحة،

والبيت باسمي، وكل حاجة قانونية ماشية في سكتها، ومع كل ورقة كنت بمضيها كنت بحس إني بمضي على مرحلة كاملة من حياتي وبدفنها بهدوء من غير صراخ، بعد شهر تقريبًا خلصت إجراءات الطلاق رسمي، ماوريسيو حاول في الجلسة الأخيرة يبصلي نظرة استعطاف كأننا نرجع زي زمان، لكن أنا افتكرت إن “زمان” ده كان فيه تعب بيزيد كل يوم وسكوت بيتراكم لحد ما انفجر، فابتسمت ابتسامة خفيفة وخرجت من القاعة وأنا حاسة إن في حمل تقيل اتشال من على صدري، رجعت البيت اللي كان في يوم من الأيام ساحة توتر دايم، وبقي فجأة هادي، الهدوء في الأول كان غريب، كنت أحيانًا أصحى مفزوعة أفتكر إن في حد هيخبط عليا أو هيطلب مني حاجة، لكن مفيش حد، ومع الوقت الهدوء بقى راحة، ابتديت أغير في البيت، دهنت الحيطان بلون فاتح كنت بحبه وهم كانوا شايفينه “جرأة زيادة”، اشتريت ستارة جديدة للصالة، شلت الصورة الكبيرة اللي كانت فوق المدفأة وحطيت مكانها لوحة فيها بحر واسع وسما مفتوحة، كنت كل ما أبص عليها أحس إني أنا كمان
بقى قدامي أفق مفتوح، رجعت أمارس شغلي بطاقة أكبر، طلبت ترقية كنت خايفة أطلبها قبل كده عشان “البيت محتاجني”، ولما المدير وافق حسيت إن الدنيا بتردلي جزء من حقي، بدأت أوفر من جديد، بس المرة دي مش عشان حد، عشان أحلامي أنا، حجزت كورس لغة كنت بأجله سنين، وكنت كل ما أتعلم كلمة جديدة أحس إني بفتح باب جديد لنفسي، وفي يوم وصلني خبر إن ماوريسيو اشتكى لناس قريبة إن حياته اتلخبطت بعد الطلاق وإن السفرية كانت غلطة، الغريب إن أول مرة سمعت الخبر ما حسيتش بشماتة، حسيت بس إني كنت على حافة نفس اللخبطة دي لو فضلت ساكتة، يمكن كان زماني دلوقتي بشتغل أكتر عشان أعوض فلوس جديدة وهم يخططوا لسفرة تانية، ويمكن كنت هصدق إن “العيلة” معناها أتحمل أي حاجة، بس اللي حصل خلاني أعيد تعريف العيلة من الأول، العيلة مش ناس تاخد تعبك وتسيبك يوم عيد ميلادك، العيلة هي الأمان، الاحترام، المشاركة، وده اللي ابتديت أديه لنفسي قبل ما أستناه من حد، في عيد ميلادي الخامس والثلاثين صحيت بدري برضه،
بس المرة دي ما كانش في خوف ولا ترقب، عملت لنفسي فطار بسيط، حطيت شمعة على كب كيك صغيرة، وشغلت أغنية بحبها، وغنيت لنفسي من غير كسوف، ولما جيت أطفي الشمعة ما تمنيتش إن حد يرجع، تمنيت بس أفضل قوية كده دايمًا، وبعدها بشهور جالي عرض شغل في مدينة تانية، زمان كنت هرفض عشان “ماوريسيو مش هيحب يسيب أمه”، لكن دلوقتي ما فيش حد غيري يقرر، قبلت العرض وبعت البيت بسعر كويس واستثمرت الفلوس في شقة أصغر في المدينة الجديدة، يوم ما سلمت المفاتيح وقفت دقيقة أبص على المكان اللي شهد ضعفي وقوتي، وبابتسامة هادية قلت لنفسي إن البيت عمره ما كان طوب وأسمنت، البيت كان أنا، ولما رجعوا يدوروا عليّ مرة أخيرة على عنواني القديم، ما لقوش غير شقة فاضية واسم اتشال من على الجرس، لأن البيت فعلًا ما كانش مستنيهم، ولا أنا كمان كنت مستنية حد يرجع عشان أبدأ أعيش، أنا بدأت أعيش من اللحظة اللي قررت فيها إن كرامتي أهم من أي علاقة، وإن يوم عيد ميلادي مش مجرد تاريخ، ده كان بداية عمري الحقيقي.

تم نسخ الرابط