الوصية ل أماني السيد

لمحة نيوز

بعد وفاة جوزي بيومين بس، كنت لسه مش مستوعبة إن البيت بقى فاضي من صوته وضحكته، ومع ذلك لقيت نفسي واقفة قدام حماتي وهي بتقول لي ببرود إن مكاني الطبيعي هو “بيت العيلة”، وإن ده حق أولادي عشان يعيشوا وسط أهل أبوهم، صدّقتها وقتها لأني كنت تايهة ومكسورة وخايفة على ولادي، قلت أهو وسطهم يبقوا في أمان والورث يفضل محفوظ، لكن اللي حصل إني اتحولت من زوجة مكسورة على فراق شريك عمرها لكنة محترمة، لخدامة شاملة لكل اللي في البيت، يومي يبدأ قبل الفجر، أقوم أكنس وأمسح السلم وأغسل هدوم البيت الكبير، بعدين أطلع لشقق سلايفي أنضف وراهم كأن ده واجب مفروض عليّ، وبناتها يجوا يتفسحوا ويغيروا جو يومين تلاتة فألاقي نفسي بغسل سجادهم التقيل وبلمع نحاسهم وفضتهم، ولو اتأخرت دقيقة أسمع كلمة تجرح أكتر من السكينة، “إحنا مش فاتحينها جمعية خيرية”، وكنت ساكتة وبقول كله عشان خاطر ولادي، كله عشان الورث، لأنها كانت دايمًا تلوّح بورقة التهديد وتقول الأرض والفلوس تحت إيدي ولو فكرتِ ترفعي صوتك هخليكي تطلعي إنتي وعيالك من هنا بلبسهم، هوزع نصيبهم على ولادي التانيين ومحدش هيقدر يراجعني، كلمة الأم بتمشي على الكل، وكنت

بخاف أوي، مش على نفسي، على عيالي، أقول لو خرجنا نروح فين وأنا ماعنديش دخل ثابت ولا سند غير ربنا، فكنت بتحمل الإهانة وأمسح الأرض بدموعي، وأرجع أوضتي أضم ولادي وأنامهم على حكايات أبوهم وأوعدهم إن بكرة أحسن، لكن الجبروت زاد عن حده، بقت تمنع عننا الأكل الحلو وتقول اللي ميخدمش البيت ماياكلش من خيره، وتسيب ولادي يبصوا على ولاد خالاتهم وهما ماسكين ألعاب جديدة ولبس غالي، ولما ابني الصغير مد إيده على لعبة بسيطة قالت له دي للأسياد يا حبيبي، إنت عايش بجميلة جدتك، ساعتها حسيت قلبي بيتكسر، مش عشان اللعبة، عشان الكلمة، عشان الإحساس اللي عايزة تزرعه جواه إنه أقل من غيره، وإنه ملوش حق، رجعت أوضتي يومها وقعدت أبص في وش جوزي في الصورة وأقول له أنا بحاول أحافظ على حقهم زي ما وصيتني، بس الكرامة بتضيع من بين إيديا، وافتكرت فجأة حاجة حصلت قبل وفاته بشهر، لما سلّمني ظرف وقال لي خلي بالك من ده، افتحيه لو حسّيتي إن الدنيا قفلت في وشك، كنت مخبياه في درج هدومي وخايفة أفتحه، يومها قمت وفتحته وإيديا بترتعش، لقيت فيه وصية مكتوبة بخط إيده وموثقة عند محامي، كاتب فيها إنه قاسم نصيبه الشرعي في بيت العيلة
والأرض لأولاده بقسمة محددة، وكاتب إن أي حد يحاول يتعدى على حقهم يتراجع بالقانون، وحاطط اسم المحامي ورقم تليفونه، وقريت جملة خلّت دموعي تنزل من غير صوت، “لو حصل لي حاجة يا ليلى، متسمحيش لحد يكسرك باسم العيلة، حق ولادنا أمانة، وكرامتك أهم من أي بيت”، حسيت كأنه ماسك إيدي من جديد، تاني يوم وأنا واقفة بمسح السلم وحماتي بتزعق عشان الشاي اتأخر، قلت لها بهدوء إننا محتاجين نقعد نتكلم، ضحكت بسخرية وقالت تتكلمي في إيه يا خدامة، طلعت الظرف وحطيته قدامها، وقلت لها الورق ده موثق ومختوم، ونصيب ولادي محدد بالقانون، ولو حاولتي تمنعيهم أو تهدديني تاني، أنا هروح للمحامي وأرفع قضية قسمة وتمكين، واللي ليه حق ياخده، لأول مرة شفت الارتباك في عينيها، حاولت تصرخ وتقول إن ده بيتها، قلت لها وأنا ثابتة البيت بيت العيلة آه، بس نصيب أبوهم حق شرعي ومحدش يقدر ياكله، ومن اللحظة دي أنا مش خدامة عند حد، يا إما نتعامل باحترام يا إما كل واحد ياخد نصيبه ونمشي، الدنيا قامت في البيت، سلايفي قالوا إني بخرّب العيلة، وبناتها قالوا إني ناكرة للجميل، لكني كنت لأول مرة حاسة إني واقفة على رجلي، كلمت المحامي فعلًا، وبعت
إنذار رسمي يثبت حق أولادي، وخلال شهور قليلة اتعملت قسمة قانونية، واخدنا نصيبنا وبعناه، وخرجت أنا وولادي من بيت العيلة لشقة صغيرة إيجار، كانت أضيق وأبسط، لكن كانت مليانة راحة وهدوء وكرامة، ابني بقى يطلب لعبته من غير ما حد يخطفها من إيده، وبنتي بقت تاكل الفاكهة من غير ما تحس إنها صدقة، واشتغلت شغلانة بسيطة في حضانة قريبة وكبرت واحدة واحدة، ولما كبروا وفهموا، حكيت لهم الحقيقة من غير كره ولا تحريض، قلت لهم إن حقكم خدناه بالقانون، وإن أهم حاجة الإنسان يحافظ على نفسه من الذل حتى لو الطريق صعب، بعد سنين لما شفتهم واقفين في يوم تخرجهم، افتكرت كل ليلة بكيت فيها على السلم، وكل كلمة إهانة بلعتها عشانهم، وابتسمت، عرفت إن الورث مش بس أرض وفلوس، الورث الحقيقي إنك تسيب لولادك كرامة مرفوعة وظهر مستقيم، وإن السكوت على الظلم عمره ما كان حماية، الحماية إنك تعرف إمتى تقول كفاية، وإمتى تختار تمشي مرفوع الراس حتى لو هتبدأ من الصفر، وساعتها بس حسيت إني نفذت وصية جوزي صح، وحميت حق ولادي من غير ما أذل نفسي، وابتديت حياة جديدة ماكانتش سهلة، لكنها كانت نظيفة وخالية من الإهانة، وده كان أكبر انتصار.

تم نسخ الرابط