بعد ما خرجنا من بيت العيلة وبدأنا حياتنا الجديدة في الشقة الصغيرة، افتكرت إن أصعب مرحلة عدّت، لكن الحقيقة إن التحدي الحقيقي كان لسه في أوله، لأن الخروج بكرامة شيء، وبناء حياة مستقرة من الصفر شيء تاني خالص، الإيجار كان مستني كل شهر، ومصاريف المدارس بتجري، ونظرات الناس وأسئلتهم كانت أحيانًا أوجع من كلام حماتي نفسها، في الأول حاولت تبعت ناس “يصلحوا بينا” مش حبًا فيّا، لكن خوفًا من كلام الناس بعد ما الإنذار القانوني وصل لهم، حاولوا يلمّعوا الصورة ويقولوا إن اللي حصل سوء تفاهم، وإن الست الكبيرة كانت مضغوطة بعد موت ابنها، لكني كنت عارفة إن الرجوع معناه أرجع لنفس الدوامة، لنفس التهديد، لنفس الإحساس إننا ضيوف تقال، فاعتذرت بهدوء وقلت إن كل واحد يمشي في طريقه أحسن، ومن يومها بدأت أركز على حاجة واحدة بس: إزاي أخلّي ولادي يحسوا بالأمان بعد سنين الخوف، كنت باصحى بدري أوديهم مدارسهم، أروح شغلي في الحضانة، أرجع أطبخ وأذاكر
معاهم، وكنت أتعلم معاهم كمان، اتعلمت أعمل حساب لكل جنيه، وأوفر من غير ما أحسسهم بالعجز، يمكن ماكانش عندنا رفاهية، لكن كان عندنا راحة نفسية، وده فرق كبير، ابني الصغير اللي كانت اتقال له إنه هيكبر خادم، بقى متفوق في مدرسته، وكل ما يجيب شهادة تقدير يحطها قدام صورته مع أبوه ويقول له أنا هكبر وأبقى قدّ الكلام يا بابا، وبنتي بقت أقوى، ماعادتش تخاف تطلب حقها، مرة رجعت من المدرسة وقالت لي واحدة قالت لها إن جدتها طردتنا من البيت، بصتلها وقلت لها وإنتي قولتي إيه؟ قالت لهم إننا مش مطرودين، إحنا اخترنا نمشي، حسيت ساعتها إن تعبي ما راحش هدر، السنين عدّت بسرعة، اشتغلت شغل إضافي بالليل أحيانًا، خدت كورسات بسيطة عشان أطور نفسي وبقيت مشرفة في الحضانة، دخلنا اتحسن شوية، وبدأنا نحوش لمستقبلهم، وفي يوم جالي اتصال غير متوقع، كانت واحدة من بنات حماتي، صوتها كان مش زي زمان، قالت لي إن أمها تعبت جدًا وعايزة تشوف ولاد أخوها قبل ما تمشي،
سكت لحظة، الدنيا لفت بيا، افتكرت كل كلمة وجع وكل دمعة، لكن بصيت لولادي وسألتهم رأيهم، قالوا لي اللي تشوفيه صح يا ماما، خدنا وقت نفكر، وفي الآخر قررنا نروح، مش عشان الماضي، لكن عشان نقفل الصفحة من غير سواد في قلوبنا، دخلت بيت العيلة بعد سنين وأنا مش نفس الست المكسورة اللي خرجت منه، كنت واقفة مستقيمة، ولادي جنبي، حماتي كانت ضعيفة على السرير، الزمن عمل اللي محدش قدر يعمله، بصت لي وقالت بصوت واطي إنها كانت غلطانة، وإن الخوف من ضياع السيطرة خلاها تظلمنا، ما طلبتش منها تبرير، ولا عاتبتها، قلت لها ربنا يسامح، إحنا سامحنا عشان نعيش، يمكن ماكانش الاعتذار كافي يمسح اللي فات، لكن كان كفاية إنه يحررني من أي بقايا غضب، بعدها بشهور توفت، وكل واحد خد نصيبه من الدنيا زي ما ربنا كاتب له، ولادي كبروا ودخلوا الجامعة، ابني اختار يدرس قانون، وقال لي عايز أبقى محامي عشان أساعد أي حد مظلوم زي ما بابا ساعدنا بورقته، وبنتي دخلت تجارة
وبدأت مشروع صغير وهي لسه طالبة، وكل ما أشوفهم واقفين على رجلهم، أفتكر اللحظة اللي كنت واقفة فيها بمسحة على السلم وبسمع كلمة تهديد، وأقول لنفسي لو كنت فضلت ساكتة كانوا اتكسروا، الجزء التاني من حياتنا ماكانش قصة انتقام، كان قصة تعافي وبناء، اتعلمنا إن الورث الحقيقي مش أرض ولا فلوس، لكن موقف شجاع في وقت الخوف، واتعلمت إن الست مش ضعيفة لو مافيش راجل في حياتها، الضعف الحقيقي إنها تقبل الإهانة بحجة الاستقرار، ويمكن أهم درس خرجت بيه إن القانون سند، وإن الكرامة لما تروح صعب ترجع، لكن لما تتمسكي بيها من بدري، بتكبّر ولادك وهم رافعين راسهم، النهارده وأنا قاعدة في شقتي اللي بقت ملكنا بعد سنين تعب، بشرب شاي في هدوء، بسمع ضحك ولادي في الأوضة اللي جنبّي، وأحمد ربنا إن اللحظة اللي قلت فيها كفاية غيرت مصيرنا كله، لأن الحياة مش بتقف عند بيت عيلة، ولا عند ظلم حد، الحياة بتبدأ من جديد أول ما الإنسان يختار نفسه وحقه وكرامته.