ست غلبانة اسمها ناتاليا كانت عايشة لوحدها في شقة صغيرة قديمة في سرقسطة شغالة خياطة في بيتها عشان تقدر تدفع الإيجار وتمشي حالها وبعد سنين من الوحدة والحرمان قررت تقدم على تبني طفلة يتيمة ولفت على مكاتب وملفات واختبارات نفسية وتحريات طويلة لحد ما في يوم جالها تليفون من مركز رعاية الأطفال وقالولها إن طلبها اتوافق عليه وإن في بنت عندها سبع سنين اسمها كلارا مستنياها ومن ساعتها وقلبها بيدق كأنه هينط من مكانه راحت شافتها في المركز لقيتها بنت هادية قوي بشعر بني ناعم وعينين سودا واسعة بس مليانة خوف مسكت قلم أخضر ورسمت شجرة من غير ما تتكلم وناتاليا حاولت تكسبها بالكلام والهدايا والحنية لحد ما كلارا هزت راسها موافقة تيجي معاها البيت وفي أول يوم ليهم سوا كانت البنت ساكتة طول الطريق ماسكة دبدوب قديم كأنه آخر حاجة فاضلة لها من الدنيا ولما وصلوا الشقة الصغيرة اللي ناتاليا زينتها بفراشات بنفسجي زي ما كلارا بتحب كانت كل حاجة ماشية بهدوء بس فيه حاجة تقيلة في الجو حاجة مش مريحة أول ليلة كلارا ما نامتش وعينيها مفتوحة في الضلمة وناتاليا حاولت تطمنها وتسيب نور خافت منور تاني يوم قررت ناتاليا تحممها عشان تلبسها هدوم جديدة وكانت فاكرة إن الموضوع بسيط ملّت البانيو ميه دافية ونادت عليها بهدوء كلارا دخلت الحمام بخطوات بطيئة ووشها شاحب شوية ولما بدأت
ناتاليا تقلع لها هدومها لاحظت إن البنت جسمها مليان آثار جروح قديمة وخطوط رفيعة كأنها خربشات طويلة حوالين ضهرها وكتافها قلبها اتقبض وسألتها مين عمل فيكي كده يا حبيبتي كلارا ما ردتش بس بصتلها بنظرة غريبة أكبر من سنها بكتير ولما حطتها في الميه حصل اللي عمرها ما كانت تتخيله الميه حوالين جسم كلارا بدأت تسود تدريجي كأنها حبر بيدوب مش تراب ولا وساخة عادية لون غامق تقيل بيطلع من جلدها وناتاليا شهقت وحاولت تسحبها بسرعة بس كلارا مسكت إيدها بقوة مش قوة طفلة ضعيفة لأ قوة حد تاني خالص وبصت لها وقالت بصوت واطي مش صوت طفلة أنا آسفة يا ماما أنا حاولت أختار غيرك بس هم قالوا لازم أعيش مع حد طيب عشان أقدر أخرج وناتاليا جسمها اتجمد في مكانه وسألت هم مين كلارا ابتسمت ابتسامة باردة وقالت البيت اللي كنت فيه قبل كده ماكانش دار أيتام عادي كان بيت بيجمع أطفال زيي الأطفال اللي ماحدش سأل عليهم واللي الألم غيرهم من جوه كانوا بيجربوا علينا حاجات عشان يخلوا الروح تسيب الجسم وترجع تاني حاجة تانية تسكنه وأنا ما متش لكن حاجة دخلت معايا وفضلت مستخبية مستنية بيت جديد تدخل فيه والميه كانت بتغلي حوالين جسمها من غير نار واللون الأسود بيزيد أكتر لحد ما البانيو بقى عامل زي حفرة عميقة وناتاليا حاولت تصرخ بس صوتها ما خرجش وكلارا قربت وشها منها وقالت أنا كنت عايزة
أم بجد بس اللي جوايا مش عايز حب هو عايز مكان يعيش فيه فجأة النور قطع في الشقة كلها وبقى الحمام غرقان ضلمة وصوت الميه بس هو اللي مسموع وبعد ثواني النور رجع تاني وكل حاجة كانت هادية بشكل مرعب كلارا واقفة قدامها عادية جدا وجسمها نظيف مفيش ميه سودة ولا أي أثر والبانيو ميه صافية كأن ما حصلش حاجة وناتاليا كانت بتنهج وبتبص حواليها وهي مش فاهمة ده كان حقيقي ولا كابوس وكلارا قالت لها بهدوء خلصت يا ماما وخرجت تلف في الفوطة كأنها طفلة طبيعية ومن الليلة دي بدأت حاجات غريبة تحصل في الشقة أصوات خطوات في الصالة بالليل رغم إنهم الاتنين نايمين حاجات بتقع من غير سبب نباتات الجنينة الصغيرة بتدبل فجأة وكلارا ساعات تصحى تبص للسقف وتبتسم ابتسامة غامضة وتكلم حد مش موجود وناتاليا كانت بين خوفها وبين إحساس الأمومة اللي بيشدها للبنت مش قادرة تسيبها ولا قادرة تهرب وفي يوم سمعت كلارا بتتكلم في أوضتها بتقول لحد مش باين أنا بحبها بس هو مش هيسيبني راحت فتحت الباب بسرعة لقتها قاعدة لوحدها بترسم نفس الشجرة الخضرا بس المرة دي الشجرة كان حوالين جذعها ظل أسود طويل ممتد على الأرض وسألتها مين هو اللي مش هيسيبك كلارا بصت لها بعينين فيها دموع وقالت هو بيقول إنك مش هتقدري تستحملي وجوده كتير وناتاليا لأول مرة قررت تواجه الحقيقة راحت للمركز تسأل عن البيت القديم اللي
كانت فيه كلارا واكتشفت إن الدار اتقفلت من سنين بسبب اختفاء أطفال وبلاغات عن تجارب غير قانونية لكن مفيش دليل كفاية يثبت حاجة ورجعت وهي قلبها متلخبط وفي نفس الليلة صوت خبط جامد على باب الشقة قامت مفزوعة فتحت الباب ملقتش حد بس الأرض كانت مبلولة ميه سودا خفيفة داخلة لحد الصالة ومختفية عند باب أوضة كلارا دخلت الأوضة لقيت البنت واقفة في نص الضلمة وبتقول له خلاص كفاية مش عايزة تأذيها فجسمها اتشنج للحظة وبعدين وقعت على الأرض وناتاليا جريت حضنتها وهي بتعيط وبتقول مش هسيبك حتى لو في شيطان جواكي أنا أمك ولأول مرة الميه السودة بدأت تطلع من عيني كلارا زي دموع تقيلة وبتنزل على الأرض وتختفي ومع كل كلمة حب كانت ناتاليا بتقولها الصوت اللي في الأوضة يضعف والضلمة تخف لحد ما ساد صمت تام وكلارا فتحت عينيها وبصت لها بخوف طفلة طبيعي وقالت هو مشي يا ماما أنا حاسة إنه مشي ومن الليلة دي اختفت كل الحاجات الغريبة والشقة رجعت هادية والنباتات رجعت خضرا وكلارا بقت تنام طبيعي من غير ما تصحى مفزوعة وناتاليا فهمت إن السر المرعب اللي اكتشفته ماكانش لعنة أبدية لكنه كان وجع قديم متجسد في خوف وحاجة لحد يحبها بصدق وإن أقوى حاجة ممكن تطرد أي ظلام هي حضن أم حقيقي ومن ساعتها وهم الاتنين بقوا عيلة صغيرة بسيطة بس مليانة نور بعد ما عدوا مع بعض أحلك لحظة في حياتهم