زوجتي تستحم مرتين يومياً

لمحة نيوز

صوت مفاجئ كان بيخليها تتجمد، كل مرة الباب يفتح فجأة كانت ترجع تتحاشى أي اتصال بالعين، وكنت قاعد جنبها بهدوء، أديها المساحة اللي محتاجاها، بس كل مرة أحساسي بيقولي إن في حاجة أكبر مستنيانا.
في يوم، وهي قاعدة تقرأ كتاب قديم في الصالة، لقيت الكتاب متغطى بالغبار، الصفحة مفتوحة على قصة طفولتها عن اليوم اللي اختفت فيه في الشارع، تفاصيلها كانت مرعبة، قريت معايا كلمة كلمة، قلبها كان بينبض بسرعة، عيونها مليانة دموع، وبدأت تحكي لي عن شعور الوحدة، عن خوفها من الظلام، عن صوت خطوات الناس اللي كانت بتتخوف منهم وهي صغيرة، وكنت مستغرب من قد إيه التفاصيل الدقيقة دي شكلت كل سلوكياتها بعدين، كل الحمامات اللي كانت بتدخلها كل ليلة، كل صمتها الطويل، كل إحساسها بالهدوء والراحة اللي بتلاقيه في الأماكن المغلقة.
بعد كده، في يوم المطر الشديد، كنا قاعدين على الكنبة جنب بعض، وكانت الدنيا

برة مظلمة وممطرة، أنا بقيت أسمع صوت المطر في السقف وأسمع نفس نبضها الهادئ، وفجأة قالت لي: "زيد، في حاجة محتاجة أعرفك عليها، حاجة أنا كنت مخبيها عن كل الناس"، حسيت إن في سر كبير، وأدتها جرأة تقول كل اللي جواها، حكيتلي عن بيت جيرانها القديم، عن شخص كان بيتبعها، عن اللي حصل لما اختفت، وعن خوفها الدائم من الناس اللي ممكن يضرّوها، قلت لها بهدوء: "أنا هنا معاكي، مش هسيبك لوحدك"، دموعها نزلت، وابتسمت بابتسامة خفيفة لأول مرة من أيام طويلة، وبعدها بدأت تتكلم عن أحلامها الصغيرة اللي كانت محرومة منها، عن رغبتها في السفر، عن حبها للطبيعة، عن كل تفاصيل صغيرة كانت تحسّسها بالأمان.
وبعد أسابيع من الكلام ده، قررت أخدها لمكان بعيد عن المدينة، رحلة قصيرة في الجبال، المكان اللي ملئه الهوا النقي، الشجر، الصوت الهادئ للمية، وفي اليوم ده حسيت إنها بدأت تثق في العالم حواليها أكتر،
مش بس فيا، كل شيء، وكانت فرحتها صافية، ضحكتها عالية، حتى الحمام التاني بقى مجرد روتين مش خوف، وبدأت تكلم عن حياتها قبل ما نلتقي، عن ذكرياتها مع أخوها، عن لعبهم في الحديقة الخلفية للبيت، عن أشياء بسيطة كانت بتخليها سعيدة زمان، وأنا بحاول أسمع كل كلمة وأفهمها، وأديها شعور إن الماضي مهما كان مؤلم، مش هيحكم على حاضرنا.
في ليلة هادية جدًا، وهي قاعدة جنب التليفزيون، قالتلي: "زيد، كنت دايمًا خايفة من الحب، خايفة أفتح قلبي وأتأذى، لكن دلوقتي، معاك، حاسه إن في أمان"، حسيت بقشعريرة في قلبي، فهمت إن كل التعب النفسي اللي شافته في حياتها محتاج صبر وحب، وحسيت إن أنا مسؤول أكتر من أي وقت فات، ومن اليوم ده بدأنا نعمل روتين جديد، مش بس عشا ونوم، لا، كانت البداية من فهم بعضنا، من الكلام الصادق، من المساحة والأمان، وحتى لما الدنيا تكون ضيقة حوالينا، كنا دايمًا نلاقي وقت نبتسم
لبعض، نتكلم عن مخاوفنا، ونخطط لمستقبلنا مع بعض، أماكا بدأت تتغير، كل يوم صغيرة فيها كانت بتكبر، كل ضحكة، كل كلمة، كل نظرة كانت دليل على إننا بنتخطى الماضي سوا.
ومع مرور السنة، حتى اللحظات اللي كانت مرعبة قبل كده، زي الأصوات المفاجئة، بقت بسيطة، كأنها بتحس إنها مش لوحدها، وكل يوم كنت بشوفها وبتضحك وبتتكلم عن حاجات كانت مستحيلة قبل كده، وأنا بقيت متأكد إن الصبر والفهم والحب الحقيقي ممكن يحوّل أي قلب مكسور لمكان آمن، وأخيرا، أماكا بقيت شخص مختلف، نفس روحها الرقيقة، نفس هدوئها الجميل، بس دلوقتي، فيه شجاعة في عيونها، فيه أمل، فيه حب نابع من أمان حقيقي، وكل اللي حصل كان نتيجة إننا فتحنا بعضنا لبعض، بدون خوف، بدون أسرار كبيرة مخبية، بس بالحب والصبر والصراحة، وأخيرًا حسيت إننا بقينا نعيش حياتنا سوا من غير ظلال الماضي، وعارفين إن مهما الدنيا تضيق، إحنا دايمًا جنب بعض.

تم نسخ الرابط