ربنا كشفلي سترهم بقلم نيرمين همام

لمحة نيوز

كلامه كان زي السكاكين اللي بتقطع في جثتي. يعني جوزي، السند اللي كنت بتمسح في كتافه، كان بيتاجر بوجعي وببنتي؟ وقبل ما أرد عليه، الباب الخارجي اتفتح ودخل سامي. سامي كان ماسك في إيده شنطة سوداء، وأول ما شافني، ملامحه اتغيرت وشال "مطواة" من جنبه وقال ببرود يقتلك:

أهو محمود بوظ الدنيا كالعادة.. كان لازم نخلص من البت دي من زمان، بس طمعك يا محمود هو اللي جابنا لورا. ودلوقتي يا ليلى.. إنتي جيتي برجلك لمكان ملوش مخرج.

حبست أنفاسي، وحضنت هنا أكتر، وبصيت حواليا.. مفيش مهرب، والأرض بدأت تلف بيا..

فتحت الملف وأنا كلي بينتفض، لقيت جواه شهادة ميلاد حديثة باسم ليلى، بس اسم الأب مكنش محمود! وجنبها شهادة وفاة لطفلة تانية خالص ماتت في نفس يوم الحادثة. ساعتها بس فهمت إن فيه مسرحية كاملة اتكتبت من غير ما أعرف.

مفكرتش ثانية، خدت مفاتيح العربية وطرت على الموقع اللي شفته في الموبايل. الطريق كان ضلمة وهس، وكل ثانية بتعدي كان قلبي بيخبط في ضلوعي كأنه عاوز يهرب. وصلت لبيت قديم ومعزول وسط شجر تقيل، ركنت بعيد وقربت بحذر.. ومن شباك جانبي شفته.. محمود.

كان واقف بيزعق مع راجل غريب ويقوله: أنا دفعتلك كل اللي طلبته.. خلص الموضوع بقى وابعد عننا! مقدرتش أمسك نفسي، زقيت الباب بكل قوتي وصرخت: فين بنتي يا محمود؟!

محمود وشه جاب ألوان والعالم وقف بيه، ومحاولش ينكر.. انهار فجأة وقعد على الأرض وهو

بيبكي: ليلى عايشة يا سارة.. ليلى عايشة وأنا خبيتها!

قال وهو بيشهق من الوجع: يوم الحادثة، كان فيه ناس عاوزين يقتلوها بسبب ورث ضخم ورثته من جدها الحقيقي.. كنت مضطر أموّتها قدام الناس وأدفن طفلة تانية مجهولة عشان أحميها منهم.

وقفت مكاني مش قادرة أنطق.. السر كان أكبر من عقلي. خدني محمود من إيدي لأوضة في آخر الطرقة، فتح الباب براحة، لقيت طفلة قاعدة على سرير صغير.. رفعت راسها، وأول ما عيني جت في عينها صرخت بكسرة شوق: ماما!

ارتمت في حضني، وانهرت من البكاء.. بس الصدمة مخلصتش هنا. كانت فيه ست عجوزة قاعدة جنبها، عرفتها فوراً.. دي الممرضة اللي كانت في المستشفى يوم الحادثة! قالتلي بهدوء: محمود مخباهاش عشان يأذيكي.. محمود خباها عشان ينقذها من الموت.

وكشفت الحقيقة كاملة.. ليلى مكنتش بنتي بالدم، كانت طفلة يتيمة تبنيناها من وهي لسه مولودة بعد ما أهلها ماتوا، ومحمود خاف يقولي الحقيقة لحسن أفقدها في يوم. بس عمها الحقيقي عرف إنها عايشة وكان عاوز يخلص منها عشان ياخد ميراثها، وعشان كدة محمود عمل "التمثيلية" دي كلها.

وقفت مذهولة، بس لما بصيت لليلى وهي في حضني، عرفت إن الدم مش هو اللي بيعمل الأمومة.. الأمومة هي اللحظة اللي بتحضن فيها ضناك وبتحس إن روحك رجعت لجسدك تاني.

بلغنا البوليس، واتقبض على الراجل اللي كان بيبتز محمود، ورجعت الحقيقة لأصحابها. رجعنا البيت.. أنا وليلى.. بس المرة

دي من غير كذب ولا أسرار.

لما بصيت لليلى وهي نايمة في سريرها لأول مرة من خمس سنين، عرفت إن الموت الحقيقي مش إنك تفقد حد.. الموت الحقيقي هو إنك تفقد "الحقيقة".

عدت أسابيع، والبيت لسه فيه ريحة الماضي، بس ليلى بدأت ترجع تضحك تاني. لسه بتمسك إيدي وهي نايمة كأنها خايفة أختفي، وأنا بقعد أتأمل وشها وأقول لنفسي: يا حبيبتي، إحنا تعبنا كتير عشان نلمس الشمس، بس الحمد لله إن الفجر طلع أخيراً.

في اللحظة دي فهمت حاجة مكنتش فاهماها قبل كدة: إن الزمن مبيوقفش لما بنفقد حد.. بس بيسيب جوانا فراغ كبير مبيملوش غير "الحقيقة".

أما محمود، فحالته اتغيرت تماماً. مابقاش الراجل الصامت اللي بيستخبى ورا بروده، بقى إنسان باين عليه الهلاك، كأنه كان شايل جبل فوق صدره سنين وأخيراً نزل. كان عارف إن اللي عمله مش غلطة بسيطة تتنسى، ده قرار غير حياة الكل.

في ليلة من الليالي، قعدنا أخيراً وش لوش بعد ما هنا (ليلى) نامت. الصمت كان تقيل بينا، لحد ما نطق بصوت واطي:

أنا كنت فاكر إني بحميكم يا سارة.. بس الحقيقة إني كنت بهرب من مواجهة الخوف.

مردتش عليه وقتها. كنت عارفة إن الكلام مبيتمحيش بيه وجع خمس سنين. بس اتأكدت إن الحقيقة، مهما كانت بتوجع، أحسن بكتير من كدبة نعيش جواها للأبد. قلت له بهدوء:

اللي عملته كسرني.. بس اللي رجعني للحياة هو إني عرفت الحقيقة. بص لي كتير، وبعدين نزل راسه الأرض. مكنش بيدور

على سماح.. كان بس عاوز الكابوس ده يخلص.

بدأت "هنا" رحلة علاج نفسي، وكانت أصعب لحظة لما فهمت إن حياتها كانت مستخبية "قصد". كانت بتسألني بوجع:

ماما.. هو بابا كان بيحبني؟ ولا كان خايف مني؟ كنت باخدها في حضني وأقولها:

كان خايف عليكي يا حبيبتي.. بس الخوف لما بيزيد عن حده، بيتحول لسجن.

مع الوقت، بدأت ضحكتها ترجع تدريجيًا. وبقت تجري في البيت وتملى الأركان حياة كانت غايبة عنها سنين. كنت براقبها كل يوم وكأني بشوفها وهي بتتولد من جديد قدام عيني.

وفي صباح يوم هادي، وأنا برتب دولابها، لقيت الصندوق القديم اللي شلت فيه صورتها من سنين. فتحته براحة، وطلعت الصورة اللي كنت ببكي عليها كل ليلة. تأملت الصورة، وبعدين بصيت لهنا وهي بتضحك في الصالة.. ولأول مرة من خمس سنين، ملقيتش الوجع اللي كان بياكل قلبي وأنا ببص للصورة. حسيت بسلام.

عرفت وقتها إن الموت الحقيقي مكنش موت بنتي.. كان موت الحقيقة جوه حياتي طول السنين دي. أما دلوقتي، فالحقيقة رجعت.. ورجعت معاها الروح وقت صلاة التراويح

وفي ليلة، وأنا بطفي النور، سمعتها بتناديني من أوضتها:

ماما.. أنتي هنا؟ ابتسمت وقولت لها:

طول ما أنتي موجودة.. أنا موجودة يا قلب ماما.

قفلت الباب بهدوء، وحسيت إن الفصل الأصعب في حياتي انتهى أخيراً. مكنش نهاية مأساوية زي ما كنت فاكرة.. بالعكس، دي كانت بداية جديدة. بداية اتعلمت فيها إن الحقيقة

ممكن تستخبى كتير، بس عمرها ما بتموت.

بقلمي نرمين عادل همام

تمت

لو عجبتك القصة اعجاب لصفحتى وماتنساش اللايك

رمضان كريم 

تم نسخ الرابط