عادت ل تنتقم
أواخر السبعينيات يرتدي قميصا قطنيا باهتا وقبعة محارب قديم. بدا من ذلك النوع الفخور المجتهد الذي أمضى حياته يصلح سقف بيته بنفسه ويدفع ضرائبه في موعدها ويحمل عبء أسرته دون أن يطلب مساعدة من أحد.
لكن الآن كان ذلك المظهر الصلب يتفتت إلى غبار.
دفن وجهه في يديه الخشنتين واهتز كتفاه بعنف حتى اهتزت السيارة.
لم أسأله هل كانت ليلة جيدة
كنت أعرف أن بعض الأسئلة حماقة.
قلت بهدوء وأنا أطفئ الراديو
من الذي فقدته يا عزيزي
لم يرفع رأسه. فقط ضم الكيس البلاستيكي إلى صدره بقوة أكبر.
اختنق صوته وهو يقول
مارغريت اثنان وخمسون عاما من الزواج. اعتنيت بخرفها في المنزل. لم أستطع أن أضعها في دار رعاية ولم نكن نستطيع تحمل تكاليف واحدة جيدة بدخلنا المحدود. كنت أحممها وأطعمها لكن الليلة توقف قلبها فجأة. لم تكن حتى تعرف اسمي في النهاية.
شعرت بغصة قاسية في حلقي وخففت قدمي تلقائيا عن دواسة الوقود.
رحلت بكى وهو ينظر إلى الثلج المتساقط.
وعلي أن أعود إلى بيت لا يزال يحمل رائحتها. سرير المستشفى ما زال في غرفة المعيشة. فنجان شايها على الطاولة بجانب السرير.
رفع نظره إلى المرآة وعيناه محمرتان خائفتان فارغتان تماما.
كيف يفترض بي أن أفتح الباب وأدخل ذلك الصمت وحدي
نظرت إلى جهاز الملاحة. كنا على بعد شارعين فقط من منزله.
شارعين من أن أتركه على شرفة باردة مظلمة ليخطو إلى مقبرة من الذكريات والفواتير الطبية وحده.
اتخذت قرارا يخالف كل قواعد اقتصاد التطبيقات.
مددت يدي وألغيت الرحلة.
ظهر تحذير عن تقييم السائق. أغلقت الهاتف تماما.
قلت بحزم لطيف
لن أوصلك إلى المنزل.
تصلب جسده ومسح عينيه بكمه.
ماذا أرجوك أريد فقط أن
قاطعته
لن تدخل ذلك البيت الفارغ الليلة يا سيدي. الصدمة ما زالت طازجة. صمت غرفة المعيشة سيبتلعك.
استدرت عند الإشارة التالية.
إلى أين تأخذينني سأل بدهشة.
قلت
فطيرة كرز وقهوة سيئة في مطعم على الطريق. على حسابي.
لم يعترض. لم يكن لديه طاقة ليجادل.
دخلنا مطعما يعمل 24 ساعة قرب الطريق السريع. أضواء نيون وامضة مقاعد جلدية متشققة ونادلات ينادين الجميع يا عسل ولا يتركن الفنجان فارغا أبدا.
جلسنا في زاوية. طلبت قهوتين سوداوين وشريحتين من الفطيرة الدافئة.
لنصف ساعة ظل آرثرهكذا عرف نفسهيحدق في فنجانه.
لم أقل عبارات فارغة مثل هي في مكان أفضل.
سألته سؤالا واحدا فقط
كيف تعرفتما على بعضكما
بدت الدهشة على
انفتح السد لكن هذه المرة لم تكن دموعا بل ذكريات جميلة فوضوية إنسانية.
حكى لي عن سينما السيارات صيف 1971. عن سيارته الشيفروليه القديمة التي تعطلت وكيف وقفت مارغريتبفستان أصفرتمسك المصباح ساعتين كاملتين بينما كان يصلح المحرك تمزح كي لا يشعر بالحرج.
حكى كيف أحرقت الديك الرومي في عيد الشكر ثلاث سنوات متتالية فصار تقليدهم تناول البيتزا المجمدة في ذلك اليوم. وكيف كانت ترقص في المطبخ على أغاني موتاون القديمة وهي تغسل الصحون.
قال بابتسامة متعبة
كانت مرساتي. جعلتني أعدها ألا أتوقف عن الحياة لمجرد أنها نسيت كيف تفعل ذلك. طلبت مني ألا أصبح عجوزا عنيدا منعزلا.
جلسنا أربع ساعات.
ورأيت رجلا يتحول ببطء من شبح محطم إلى إنسان حي من جديد.
أنا في الثامنة والستين. أقود غرباء ليلا لأن معاش زوجي الراحل لا يغطي الضرائب المتزايدة أو دواء التهاب مفاصلي. كل دقيقة لا تتحرك فيها سيارتي تعني مالا أخسره بشدة.
لكن أمام آرثر أدركت حقيقة مخيفة
كلنا على بعد مكالمة سيئة واحدة أو زيارة طبيب أو ليلة مأساوية من أن نصبح ذلك الشخص المنكسر في المقعد الخلفي.
نربى على الصلابة.
نعيش في عالم تحكمه التطبيقات والخوارزميات التي تقول إن الوقت مال وإن التعامل مع الغرباء مجرد معاملة لا علاقة إنسانية.
لكن أحيانا الاستقلال ليس سوى اسم مهذب للمعاناة في عزلة تامة.
عند السابعة صباحا بدأ الضوء الذهبي يلون السماء.
قال بهدوء
أعتقد أنني مستعد.
أوصلته إلى منزلهبيت طوبي متواضع وأنيق.
حاول أن يعطيني ورقة نقدية من فئة خمسين دولارا. دفعت يده برفق.
احتفظ بها. اشتر بها معلفا للطيور. املأه. راقب الطيور من أجل مارغريت. سيساعدك ذلك مع الصمت.
نظر إلي بعينين صافيتين أخيرا.
أنقذت حياتي الليلة لا أعلم ماذا كنت سأفعل لو دخلت ذلك البيت وحدي.
ابتسمت
لم تكن وحدك في الظلام آرثر. هكذا فقط ننجو من هذه الحياة نمشي بعضنا إلى البيت.
رأيته يفتح الباب يتوقف لحظة يتنفس بعمق ثم يدخل.
أضاء مصباح غرفة المعيشة وتوهج عبر الزجاج المتجمد.
عدت إلى منزلي بمحفظة فارغة وقلب ممتلئ تماما.
يريدنا مجتمعنا أن نستثمر كل ثانية.
لكن أحيانا أغلى ما يمكنك فعله هو أن تطفئ هاتفك وتتجاهل العداد وتجالس إنسانا غريبا كإنسان.
لأنه في يوم ما
سيكون الراكب
وستدعو بكل قلبك أن يكون هناك من يوقف السيارة