لقاء مع ام حبيبي

لمحة نيوز

كنت فاكرة إني أخيرًا لقيت الراحة، لقيت الشخص اللي أقدر أهدى جنبه وأبني معاه حياة بجد، لما أنا ودانيال قررنا نعيش مع بعض بعد شهور قليلة من المعرفة، كل حاجة كانت ماشية بسرعة بس بثقة، إحنا الاتنين فوق التلاتين، شبعنا لعب ومش عايزين علاقات نص نص، هو شغال في الـ IT، هادي، منظم، بيصحى بدري، بيرتب هدومه بالألوان، مبيسهرش، مبيشربش، مبيحبش الصداع، وده كان مريحني، حسيت إن معاه الأمان اللي بدور عليه، لحد الليلة اللي قال فيها بهدوء كده وهو بيقفل اللابتوب “لينا، عايزك تقابلي ماما، بس خلي بالك هي صارمة شوية” وضحك ضحكة خفيفة كأنه بيهزر، وأنا ضحكت ومخدتش الكلام بجد، قولت في نفسي أي أم وبتبقى حريصة على ابنها وخلاص، يوم العشا جه وهو كان متوتر بطريقة غريبة، بيرتب السفرة كأنه مستني مدير الشركة مش أمه، الساعة كانت سبعة إلا دقيقتين ولقيت الجرس بيرن بالثانية، فتح الباب ودخلت تمارا، ست طويلة، ضهرها مفرود، لبسها

شيك جدًا بس تقيل، نظرتها حادة، دخلت الشقة بعينيها قبل رجليها، بصت على الأرضية، على الكنبة، على الصور، على المطبخ المفتوح، عدت جنبي من غير ما تبتسم وقالت “مساء الخير” بصوت بارد، حسيت نفسي واقفة في لجنة امتحان، قعدنا على السفرة، حطت شنطتها جنبها بطريقة منظمة قوي، وبصتلي وقالت “يلا نتعرف” بس نبرة صوتها كانت بتقول يلا نشوف إنتي تنفعي ولا لأ، ابتدت الأسئلة من غير أي تمهيد، بتشتغلي إيه، بتقبضي كام، شغلك مثبت، عندك تأمينات، عندك شقة باسمك ولا إيجار، معندكيش ديون، طب كان عندك علاقات قبل كده، ليه انتهت، عندك مشاكل صحية في العيلة، بتشربي، بتسافري لوحدك، ناوية تخلفي إمتى، كنت كل ما أجاوب تحط سؤال فوقه كأنها بتفتح ملف قدامها وتعلم صح أو غلط، دانيال ساكت، بيحط الأكل في أطباقنا، بيهرب بعنيه من عيني، وأنا مستنية منه كلمة توقف المهزلة دي، كلمة يقول فيها كفاية يا ماما، لكن مفيش، وفجأة سكتت لحظة وبصتلي
نظرة طويلة وقالت الجملة اللي خلت قلبي يقع “إحنا عيلتنا ليها مستوى معين، ودانيال اتربى على نظام واضح، الزوجة لازم تمشي على نفس المعايير، مفيش خروج كتير، مفيش صحاب رجالة، مفيش شغل ياخدها بعيد عن بيتها بعد الجواز، وطبعًا كل حسابات البيت هتبقى تحت إشرافي لحد ما أتأكد إن كل حاجة ماشية صح” حسيت كأني اتصفعت، بصيت لدانيال مستنية اعتراض، ضحكة، أي رد فعل، لكنه قال بهدوء غريب “ماما بس بتحب تطمن” اللحظة دي كانت كافية تفوقني، فهمت إن المشكلة مش أم متسلطة بس، المشكلة في راجل شايف ده طبيعي، شايف إني أتحط في قالب يتفصل على مزاج حد تاني، حسيت نفسي صغيرة قوي، مش ضيفة، مش شريكة، ده اختبار توظيف رسمي لوظيفة زوجة ابن، وكل كلمة بقولها بتتقيم، كملت العشا بالعافية، الأكل بقى ملوش طعم، صوت المعلقة في الطبق كان عالي في وداني، وهي بتحكيلي قد إيه ضحت عشان ابنها وقد إيه مستحيل تسيبه لواحدة “مستواها مش ثابت”، قامت
تمشي، وقبل ما تخرج قالتلي بابتسامة خفيفة “لسه بدري نحكم، بس الانطباع الأول مهم” الباب اتقفل، البيت سكت، فضلت واقفة ثواني، وبعدين بصيت لدانيال وقلتله بهدوء “إنت شايف ده طبيعي؟” قاللي “هي بس بتحاول تحميني” قلتله “طب وأنا مين هيحميني؟” ساعتها عرفت الإجابة من سكوته، دخلت الأوضة، فتحت الدولاب، طلعت شنطتي الكبيرة، ابتديت أحط هدومي بهدوء، كان بيقولي استني، مكبرة الموضوع، دي أمي وهتتعود عليكي، بس أنا كنت شايفة مستقبلي قدامي نسخة مكبرة من اللي حصل النهارده، كل قرار هيتراجع، كل خطوة هتتوزن، كل خلاف هيبقى فيه طرف تالت، خلصت شنطتي، خرجت بالشنطة للصالون، بصيتله آخر بصّة، وقلت “أنا كنت عايزة أبني بيت، مش أقدم في وظيفة” ومشيت، نزلت السلم وقلبي بيدق بسرعة بس لأول مرة من ساعة ما العشا ابتدى حسيت إني باخد نفسي، الهواء برا كان بارد بس منعش، يمكن كنت فاكرة إن الاستقرار معناه أقبل أي شروط عشان أفضل في علاقة

تم نسخ الرابط