شكلها مثالي، لكن الليلة دي فهمت إن الهدوء مش دايمًا أمان، وإن الراجل اللي مبيعرفش يحط حدود حتى لأقرب الناس له مش هيعرف يحمي العلاقة، سيبت البيت وسيبت دانيال وسيبت فكرة إن أي حاجة شكلها كاملة تبقى فعلًا كاملة، ومن ساعتها وأنا ممتنة لنفسي إني مشيت بعد نص ساعة بس، لأن أحيانًا نص ساعة كفاية تكشف عمر كامل.
بعد ما مشيت وأنا نازلة السلم كنت سامعة صوت قلبي أعلى من أي حاجة، كل درجة بنزلها كانت كأنها بتفصلني عن وهم كنت عايشة فيه، ركبت تاكسي من غير ما أحدد حتى هروح فين، بس كنت عارفة إني مش هرجع، فضلت باصة من الشباك والشارع بيعدي قدامي وأنا بفكر إزاي قدرت أقنع نفسي إن السكوت ده نضج وإن الطاعة دي احترام وإن تدخل أمه ده حب، وصلت عند صاحبتي وقعدت عندها يومين بحاول أستوعب اللي حصل، تليفوني ما بيسكتش، دانيال بيتصل، يبعت رسايل طويلة بيقول إنه بيحبني وإنه محتاج وقت يظبط الأمور وإن أمه قلبها أبيض بس بتخاف عليه، وكل مرة أقرأ الرسالة أحس إن الكلام
حلو بس فاضي، مفيش مرة قال فيها إنه غلط، مفيش مرة قال إنه كان لازم يقف جنبي، كله مبررات حوالين إن ده طبعها ولازم أستحمله عشان الحياة تمشي، وبعد أسبوع جه تحت بيت صاحبتي وطلب يشوفني، نزلت أقابله وكنت متوقعة إني أضعف، لكنه بدأ كلامه بجملة خلتني أفوق أكتر “ماما زعلت إنك مشيتي بالطريقة دي” ماقالش زعلت عليك، قال زعلت منك، ولما سألته هو شايف إيه الصح قال إنه شايف إن أمه ليها حق تطمن وإن طبيعي تبقى مشاركة في حياتنا عشان هي ست تعبت وربت، سألته بهدوء يعني لو حصل خلاف بيني وبينها هتقف فين، سكت ثواني وبعدين قال “هنحاول نرضيها الاتنين” فهمت الإجابة، مفيش إحنا، في دايمًا هي الأول، حاول يقنعني إننا ممكن نعيش في نفس العمارة عشان تبقى قريبة تساعدنا لما نخلف، وقالها بمنتهى البساطة كأنه بيعرض عليا شقة لقطة، ساعتها الصورة اكتملت، شفت مستقبلي قدامي، شقة تحت بيت ماما، مفاتيح معاها، رأيها في كل حاجة من لون الستارة لميعاد نوم عيالي، وانا كل مرة أقول رأيي
يتقاللي “ماما خبرة أكتر”، رجعت البيت اللي كنت سيبته عشان ألم باقي حاجتي وهو واقف يتفرج عليا بحزن حقيقي بس حزن واحد مش فاهم ليه الدنيا باظت، حاول يمسك إيدي وقاللي هتندمي، ابتسمت وقلت يمكن أندم لو فضلت، لكن عمري ما هسامح نفسي لو كملت وأنا شايفة الإشارات كلها، خرجت المرة دي نهائي، نقلت في شقة صغيرة لوحدي، يمكن أصغر وأقل فخامة من اللي كنت عايشة فيه معاه، بس كانت بتاعتي، قراري أنا، مفاتيحي أنا، أول ليلة نمت فيها هناك كانت غريبة، هدوء تام ومفيش حد بيقيّم اختياراتي، ابتديت أرجع لنفسي، لصحابي اللي كنت باجلهم عشان هو مبيحبش الخروج الكتير، لشغلي اللي كنت بفكر أهدى فيه عشان “البيت أولى”، واكتشفت إني كنت بتنازل حتة حتة من غير ما أحس، بعدها بشهر عرفت من حد مشترك إنه اتخطب لبنت قريبة العيلة، بنت “مناسبة” بمعايير تمارا، ساعتها بدل ما أغير أو أزعل حسيت براحة غريبة، لأن أكيد في واحدة تانية كانت هتبقى مكاني لو أنا فضلت، ويمكن هي شايفة إن الشروط دي
أمان، لكن أنا عرفت إن الأمان الحقيقي إن اللي معايا يختارني أنا مش يختار راحة أمه على حسابي، السنين علمتني إن الحب مش بس شخص هادي ومنظم وشغله ثابت، الحب موقف، كلمة بتتقال في وقتها، حدود بتتحط من غير خوف، ويمكن لو الليلة دي كانت عدت عادي كنت هتجوز فعلًا وأدخل في دوامة طويلة من شد وجذب، لكن نص ساعة على سفرة عشا كانت كفاية تكشفلي إن البيت اللي ملوش باب يتقفل علينا إحنا الاتنين عمره ما هيبقى بيت، ومن يومها وأنا كل ما أقابل حد جديد وأسأله عن أهله واستقلاله بعرف أقرأ ما بين السطور، مش بخاف من الأم القوية ولا العيلة القريبة، بخاف من الراجل اللي مش عارف يفصل، اللي شايف إن رضا الكل أهم من عدل واحد، ويمكن القصة خلصت بيني وبين دانيال في الليلة دي، بس الحقيقة إنها بدأت معايا أنا، بدأت لما قررت إني أختار نفسي حتى لو هبدأ من الصفر، وحتى لو الطريق أطول، بس على الأقل ماشي بإرادتي ومفيش حد قاعد على أول السفرة مستني يقيمني ويحدد أنا أستاهل أعيش ولا
لأ.