تزوجت ابن عمي العقيم
تدفع قبل الموعد النهائي بطريقة ما. كلما سألها كيف كانت تضحك.
الله يرزق.
صدقها حتى عاد ذات عطلة إلى المنزل مبكرا فوجدها نائمة على الأرض من شدة الإرهاق بجانب دلو وممسحة مرتدية زي عاملة نظافة.
في ذلك اليوم انكسر شيء داخله.
عمل سرا ليلا في تحميل الشاحنات بينما يحضر محاضراته نهارا. كذب عليها قائلا إنه حصل على منحة دراسية. كل نيرة كان يكسبها كان يذهب للرسوم الدراسية.
أراد أن يفاجئها يوم التخرج.
أرادها أن ترتاح أخيرا.
في المستشفى اقترب الطبيب منه بهدوء.
إنها تحتاج إلى عملية جراحية قال الطبيب. جسدها تعرض لإجهاد شديد لسنوات. سوء تغذية إرهاق دفعت نفسها أكثر من اللازم.
كم التكلفة سأل توندي.
كان الرقم مستحيلا تقريبا.
مدخراته المال المخصص لرسوم فصله الأخير بالكاد يغطي نصف المبلغ.
ظل ينظر إلى هاتفه طويلا قبل أن يتجه إلى مكتب الدفع.
ارتجفت يداه وهو يحول المبلغ بالكامل.
كل كوبو.
بعد ساعات انتهت العملية بنجاح.
اجتاحه شعور بالراحة كاد يسقطه أرضا.
عاد إلى جانب سريرها بينما بدأت تستعيد وعيها ببطء.
ماما قال برفق.
فتحت عينيها بصعوبة. توندي دراستك رسومك
ابتسم
سأتصرف.
تأملت وجهه بإحساس الأمهات الذي لا يخطئ.
استخدمته أليس كذلك
لم يجب.
انهمرت الدموع من عينيها فورا. لا لا تعبت كثيرا حتى لا تعاني مثلي.
جثا توندي بجانب السرير ممسكا بيديها الهزيلتين.
وأنا تعبت كثيرا حتى لا تموتي بسببي همس.
امتلأت الغرفة بصمت لا يقطعه سوى صوت جهاز المراقبة المنتظم.
بدأت تبكي بكاء عميقا مرتجفا يخرج من سنوات كفاح مخفي.
كنت أريد أن أراك تتخرج قالت بين أنفاسها.
سترين أجاب رغم أنه لم يعد يعرف كيف.
شدته نحوها بقوة مفاجئة كما كانت تفعل وهو طفل.
آسفة همست.
وهنا انهار توندي.
لسنوات كان قويا يعمل يدرس يتظاهر بأن كل شيء بخير. لكن الآن تدفقت دموعه بلا توقف.
كنت أريدك فقط أن ترتاحي يا ماما بكى. مرة واحدة فقط أردتك أن ترتاحي.
الأم وابنها يعتذر كل منهما عن تضحيات لم يندم عليها ويحزنان على أحلام أرجأها الحب.
في الخارج استمرت الحياة سيارات تمر ضحكات والعالم يمضي قدما.
لكن داخل تلك الغرفة الصغيرة في المستشفى انكسر قلبان في الوقت ذاته بعدما أدركا أن الحب أحيانا لا ينقذ الأحلام.
إنه فقط يختار من سيتحمل الألم.
وظلا يبكيان
لكن الكلمات لم تعد تكفي فالصمت أحيانا أصدق من أي اعتذار.
ظل توندي جالسا بجانب سريرها حتى غلبها النوم. كان يمسك يدها وكأنه يخشى أن تختفي إذا تركها. نظر إلى وجهها المتعب إلى التجاعيد التي لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة وشعر بثقل لم يشعر به من قبل.
في تلك الليلة لم يعد يفكر في الفصل الدراسي الأخير ولا في الشهادة ولا في حفل التخرج.
فكر فقط في وعد واحد جديد.
عندما أشرقت الشمس من خلف نافذة المستشفى كان قد اتخذ قراره.
في الأيام التالية بدأ يبحث عن أي عمل إضافي. عاد لتحميل الشاحنات وأضاف إليه وردية مسائية في مخزن كبير خارج المدينة. كان ينام ثلاث ساعات فقط ويقضي بقية يومه بين المستشفى والعمل.
وعندما خرجت أمه من المستشفى بعد أسابيع لم تعد إلى المنزل القديم فورا.
بل إلى بيت صغير استأجره توندي بالقرب من الجامعة.
لم يكن كبيرا. ولم يكن فاخرا. لكنه كان نظيفا ودافئا ولا يحتاج إلى أن تعمل فيه ليلا.
في أول ليلة هناك حاولت أمه الوقوف لتغسل الصحون.
أمسك يدها برفق وقال بحزم لم تعهده فيه
دوري انتهى يا ماما. الآن دوري أنا.
نظرت إليه
ومرت الشهور ببطء لكنها مرت.
أجل توندي فصله الدراسي عاما كاملا وكتب رسالة إلى إدارة الجامعة يشرح ظروفه. المفاجأة جاءت بعد أسبوعين الجامعة وافقت على منحه مهلة خاصة وأحد الأساتذة رشحه لصندوق دعم الطلاب المتعثرين.
لم يكن المبلغ كبيرا لكنه كان كافيا ليعود.
في يوم التخرج لم يكن يرتدي بدلة جديدة. كانت بدلته مستعملة اشتراها من متجر صغير. لكن ابتسامته كانت حقيقية.
جلست أمه في الصف الأول ترتدي ثوبا بسيطا ونظيفا تمسك بمنديل أبيض بين يديها.
وعندما نادوا اسمه
توندي أديبايو
وقف لثانية ثم نظر إلى أمه.
لم يصفق أحد بقوة كما صفقت هي.
وعندما تسلم شهادته لم يرفعها نحو السماء بل نزل مباشرة من المنصة واتجه إليها.
جثا أمامها كما فعل في المستشفى لكنه هذه المرة كان يبتسم.
وعدتك قال بصوت مبحوح.
لم تستطع الرد.
فقط وضعت يدها على رأسه كما كانت تفعل وهو صغير وهمست
الآن أستطيع أن أرتاح.
ولأول مرة منذ سنوات لم يكن في عينيها خوف.
ولا شعور بالفشل.
بل فخر.
وفي تلك اللحظة فهم توندي شيئا أخيرا
الأحلام قد تتأجل
لكن الحب إذا كان صادقا لا يخسر أبدا.
وأحيانا
هو أن ترى من ضحى لأجلك يجلس أخيرا دون أن يحمل العالم فوق كتفيه