الزوج الذي ترك ابنه

لمحة نيوز

 رجعت المحكمة تزورها كمتفرجة مش كقاضية، شافت قاضٍ تاني على المنصة، وحست إن العدالة أحيانًا بتبدأ لما نعترف بضعفنا، وإشعيا قاعد جنبها، أطول شوية، أقوى شوية، ولسه شايل أثر السنين في عينه، بس المرة دي لما بصتله ما كانش فيه سر بينهم، كان فيه طريق طويل بدأ أخيرًا يتبني، ويمكن ما تقدرش ترجع الزمن، بس قدرت تختار إنها ما تهربش تاني، ولأول مرة من 13 سنة، لما حد ينادي اسمها، ما تحسش إنه قيد، لكن فرصة، لأنها بقت تعرف إن أصعب حكم أصدرته في حياتها ما كانش على متهم، كان على نفسها، ولما اتجرأت تواجهه، بدأت تتحرر.

السنة اللي بعد اعترافه ما كانتش نهاية الحكاية، كانت بدايتها بجد، لأن مواجهة الحقيقة أسهل بكتير من العيش معاها كل يوم، وهيلينا كانت فاكرة إن أصعب لحظة عدّت لما نتيجة تحليل الـDNA ظهرت وأكدت إنه ابنها، لكنها اكتشفت إن الأصعب هو إنها تصحى كل صباح وتسأل نفسها إزاي تبني علاقة مع شاب اتربى 13 سنة من غيرها، شاب اتعلم يعتمد على نفسه لدرجة إن فكرة إنه يثق في حد كانت شبه مستحيلة، وإشعيا من ناحيته كان داخل البيت الجديد بحذر، ما كانش بيتعامل كطفل رجع لحضن أمه، كان بيتعامل كضيف بيختبر المكان، يقفل باب أوضته بهدوء، يرتب حاجته بنفسه، يسأل قبل ما يستخدم أي حاجة، كأنه مستني في أي لحظة حد يقوله يمشي، وهي كانت شايفة ده وبيوجعها، بس ما كانتش عايزة تضغط عليه بكلمة "ماما" أو تطلب منه

مشاعر مش جاهز لها، فاختارت تبدأ من أبسط حاجة، الوجود، كانت تحضر اجتماعات المدرسة، تقعد معاه في المطبخ وهو بيذاكر، تسأله عن يومه حتى لو رد بكلمة واحدة، تستحمل سكوته من غير ما تفسره رفض، لأنه في الحقيقة كان خوف، ومع الوقت بدأت حواجز صغيرة تقع، مرة وهو بيحكي عن مدرس تاريخ ظلمه، لقته بيرفع صوته شوية وبعدين فجأة يسكت ويقول "أنا مش متعود حد يسمعني للنهاية"، ساعتها قالتله "أنا هنا وهسمعك للنهاية حتى لو الكلام وجعني"، الجملة دي فضلت معلقة بينهم أيام، لحد ما في ليلة مطر شبه اللي دخل فيه بيت حمام السباحة، خرج من أوضته وقعد جنبها في الصالة وقال بصوت واطي "هو إنتِ خفتي مني ولا خفتي عليا؟" السؤال كان بسيط لكن إجابته محتاجة شجاعة، قالت الحقيقة من غير تبرير "خفت على نفسي أكتر، خفت على اسمي ومستقبلي، وافتكرت إني بحميك، بس الحقيقة إني اخترت الأسهل"، ما حاولتش تلمّع صورتها، وما قالتش إنها كانت مجبرة، لأنها ما كانتش مجبرة، كانت خائفة، وهو سمعها وسكت شوية وبعدين قال "أنا قضيت سنين بحاول أبقى مش تقيل على حد، يمكن عشان كنت فاكر إني السبب إنك مشيتي"، الجملة دي كسرت حاجة جواها، لأنها أدركت إن قرارها ما أثرش بس على طفولته، أثر على صورته عن نفسه، ومن اليوم ده بقت معركتهم مشتركة، مش بس إنهم يتعرفوا على بعض، لكن إنهم يصلحوا الفكرة اللي اتزرعت جواه إنه عبء، رجعت تشتغل بعد انتهاء التحقيقات،
لكن ما رجعتش نفس الشخص، بقت أكتر حساسية في قضايا الأحداث، مش لأنها عايزة تعوض، لكن لأنها شافت بعينها إزاي نظام الرعاية ممكن يسيب فجوات كبيرة، اشتغلت مع منظمات محلية لتحسين متابعة الأطفال بعد التبني، وواجهت انتقادات بتقول إنها بتخلط الشخصي بالمهني، لكنها كانت صريحة، قالت في مؤتمر قانوني إن القاضي مش آلة، وإن الاعتراف بالخطأ مش ضعف، وإشعيا كان بيتابع الكلام ده من بعيد، مش دايمًا فخور، أحيانًا متلخبط، لأنه لسه بيحاول يفهم هو مين بعيد عن كونه قضية رأي عام، بدأ علاج فردي يساعده يفك ذكريات بيوت الرعاية، الليلة اللي اتنقل فيها فجأة من غير ما حد يشرح، الإحساس المؤلم لما يشوف شنطة هدومه الجاهزة دايمًا كأنه على أهبة الرحيل، وكان كل ما يحكي موقف تكتشف قد إيه غيابها كان مساحة مليانة احتمالات مؤذية، لكن في المقابل كان فيه لحظات صغيرة بتكبر، أول مرة يناديها "ماما" جات من غير ترتيب، كان بيكلمها من آخر الطرقة وقال "ماما، فين مفاتيحي؟" وبعدين وقف مذهول من الكلمة، وهي ما علقتش ولا بالغت، بس ابتسمت ابتسامة هادية وقالتله فين المفاتيح، لأن بعض اللحظات لو اتضغط عليها بتتكسر، ومع مرور الوقت بقى البيت فعلاً بيته، حط صور ليه على الحيطان، دعا صاحبين يزوروه، بطل يقفل باب أوضته بالقفل، وابتدى يحكي عن مستقبله، قال إنه عايز يدرس قانون عشان يبقى صوت للي محدش بيسمعهم، ولما سألته لو ده عشان اللي
حصل له، قال "يمكن، بس كمان عشان محدش يحس إنه لوحده في قاعة مليانة ناس"، كانت فاهمة الإشارة، لأن أكتر لحظة وحدة في حياته كانت وهو واقف قدامها وهي فوق المنصة، وبعد سنتين تقريبًا، كانت قاعدة في أول صف في حفل تكريم مدرسي، وهو بيستلم جايزة في المناظرات، مش لأنه أشطر واحد بس، لكن لأنه أكتر واحد عرف يحول ألمه لكلام واضح، لما خلص ونزل من على المسرح، حضنها قدام الناس من غير تردد، الحضن ما مسحش الماضي، لكنه أثبت إن المستقبل ممكن يتكتب من جديد، وفي ليلة هادية بعد الحفل، وهي واقفة في المطبخ بتعمل شاي، لقى نفسه واقف جنبها وقال "أنا يمكن عمري ما أنسى إنك سيبتيني، بس برضه مش هنسى إنك رجعتي واخترتي تفضلي"، ساعتها فهمت إن الغفران مش مسح للخطأ، هو اعتراف بيه واختيار مستمر إنك تعمل الصح رغم الذنب، والحكاية اللي بدأت بجملة صادمة في قاعة محكمة ما انتهتش بقرار قضائي، انتهت بقرار يومي يتاخد كل صباح، إنهم يفضلوا موجودين لبعض، لأن أوقات الحقيقة اللي بنهرب منها سنين هي نفسها اللي بتنقذنا لما نواجهها، ويمكن العدالة مش دايمًا حكم بيتنطق من منصة، يمكن العدالة أحيانًا تبقى أم بتعترف إنها غلطت، وابن بيقرر إنه يعطيها فرصة تانية، مش عشان تستاهل، لكن عشان هو يستاهل يعيش من غير حمل السؤال القديم اللي كان بيطارده: "هو أنا اترميت ليه؟" والنهارده بقى عنده إجابة أصعب وأصدق: “لأنها خافت… وبعدين بطلت تجري.

تم نسخ الرابط