أنانية زوج
وتقييد سلطته الإدارية لحد ما يثبت التزام فعلي طويل المدى، ومع الطلاق النهائي حصلت على حضانة كاملة وإشراف مالي مشترك تحت رقابة المحكمة. بعد ست شهور خرجنا من المستشفى أخيرًا، أنا واقفة قدام الباب شايلة واحد وجنبّي اتنين في عربية توأم مزدوجة، الشمس كانت دافية على وشي لأول مرة من شهور، حسيت إني مش نفس الست اللي دخلت هنا متكسرة، كنت متخيلة إن نهايتي هتبقى على سرير أبيض بين أجهزة، لكن الحقيقة إن البداية كانت هناك، في اللحظة اللي طلبت فيها يرجعوني قدام حضّانة ولادي وأبص لهم رغم الوجع، هو كان فاكر إنه أنهى القصة بتوقيع في ممر بارد، لكن اللي حصل إن نفس التوقيع كان أول سطر في سقوطه، وأنا ماكنتش محتاجة أنتقم ولا أصرخ، كان كفاية إن أولادي يعيشوا، وكفاية إن القانون اللي حاول يستخدمه درع لنفسه بقى هو السبب اللي كشفه، ومع كل خطوة صغيرة كانوا بياخدوها وهما بيتعلموا يتنفسوا لوحدهم، كنت بحس إن العدالة هي كمان بتاخد نفس عميق وترجع للحياة.
بعد ما خرجنا من المستشفى، حسّيت إن حياتي اتقسّمت لنصين: نص قبل الولادة ونص بعدها، واللي بعده كان كله مسؤولية، خوف،
الممرضة كانت بتضحكلي وهي بتقوللي: “أنتي بطلّة هنا يا ست ليلى، إنتي أقوى من أي شيء حصللك.” وكنت ببص لها بعين مليانة دموع مش بس من التعب، لكن من اللي اتعلمته بسرعة، إن مش كل الناس اللي حوالينا يقدروا يشوفوا الحقيقة، ولا كل اللي بيظهر قدامهم هو الحقيقة. كل يوم كان بيبقى تحدي جديد، من محاولة أعوّد الأطفال على الرضاعة الطبيعية رغم مشاكلهم الصحية، لتنظيم أوقات نومهم، ولحظات صعبة من الرفض والبكاء المستمر. بس كل مرة كنت بحس فيها إنهم بيتعلقوا بيا أكتر، كانت بتطمني إن في أمل حقيقي وواقعي، مش بس مجرد كلام على ورق.
وفي نفس الوقت، جوزي كان بيحاول يظهر إنه لسه موجود، مكالماته وبعت رسايله كانت كلها تمثيل، مرة استعطاف ومرة تهديد غير مباشر، بس أنا كنت تعلمت إني أشوف ورا الكلمات. كل مرة يفتكر إنه بيمسك زمام الأمور،
الأيام تحولت لشهور، والشهور تحولت لسنة، وأنا بين حضّانة وحضّانة، بين محكمة وأوراق، كل خطوة صغيرة كانت بتاخد وقت وجهد، وكل نفسهم كنت بحس بيه كان بيعلّمني الصبر والصلابة. كنت بلاقي نفسي أحيانًا قاعدة على الأرض في الغرفة، بقعد مع التلاتة، أحكي لهم حكايات صغيرة وأسمع ضحكاتهم وهم بيحاولوا يضحكوا لأول مرة، وده كان أكتر شعور مريح وواقعي من أي انتقام أو غضب كنت ممكن أحس بيه تجاهه. كنت بشوفهم بيتعلموا يتنفسوا، يضحكوا، يتعاملوا مع العالم، وكل يوم كنت بحس إن العدالة بتتحقق في اللحظة اللي هم فيها عايشين ومستقرين، مش بس في المحكمة أو في الأوراق.
جوزي حاول يلمّ شتات حياته بعد الطلاق، بدأ يحاول يدخل في صفقات جديدة، شراكات، وحتى حياته الشخصية حاول يرتبها، بس كل خطوة كانت بتواجه حائط اسمه “شرط الأطفال”، كل محاولة
ومع مرور الوقت، الأطفال كبروا شوية، صحتهم استقرت، بدأوا يتعرفوا على بعضهم ويحسوا بالعالم حواليهم، وأنا بقيت أتعلم أوازن بين دور الأم اللي بتحمي، ودور المرأة اللي عايزة تعيش حياتها بعد العذاب اللي شافته. كل يوم كان بيضيف لحياتي درس: إن القوة مش في الانتقام، مش في الغضب، مش في الورق والقوانين، القوة الحقيقية كانت في الحب، الصبر، والإصرار على إن الحق يبان من غير ما تسيب الظلم يمشي من غير عقاب. وكل خطوة كانوا بياخدوها، وكل نفسهم كانوا بياخدوه، كنت بحس إنهم بيكتبوا قصة حياتهم من جديد، وأنا معهم في كل سطر، وكل لحظة كانت بتأكدلي إن حياتنا لسه فيها بداية جديدة، وأن أي خطة شريرة مهما كانت محكمة، لا تقدر توقف قلب أم بتحب أولادها.