قصة كاملة بقلم الكاتبة نيرمين همام

لمحة نيوز


وأنت ميتة!
صالة العزا اتقلبت لهرج ومرج.. إحنا كإخوات وقفنا مش عارفين نقف في صف مين أختنا اللي عشنا معاها عمر ولا أمنا اللي غدرت بينا وبالحقيقة
سوزي بصت لنا والدموع في عينيها وقالت أنا فعلا عرفت.. بس مكنتش عاوزة الفلوس أنا كنت عوزة أعرف أنا مين! والفلوس اللي كنت بسحبها كانت عشان أعالجها في أحسن مستشفيات برا لما كانت بتموت.. بس هي مفهمتش هي اختارت تكرهني وتفضحني قدامكم كلكم!
أبويا وافق مش ضعف لكن شفقة. خاف على أمي من الجنون. خدوا الطفلة وربوها على إنها بنتها وسموها سوزي. بس ده مش كل حاجة..
العمة خدت نفس عميق وقالت الجملة اللي كفيلة تهز جبال الطفلة دي مش بنت الست الغريبة اللي ماتت في المستشفى.. دي بنت أختي. بنت أخت أمكم. يعني سوزي بنت خالتكم ومن دمكم.
الدنيا لفت بيا وسوزي سلمى كانت بتسمع وهي مش قادرة تتنفس. كل السنين دي كانت كذبة العمة كملت وقالت إن أم سوزي الحقيقية كان ليها ماضي أسود حكايات صعبة ومشاكل قانونية وأمك كانت خايفة الحقيقة دي تدمر مستقبل البنت لو اتعرفت. أمك قررت تضحي وتدفن السر جواها وتدفع التمن من أعصابها وحياتها.
ولما قربت تموت خافت.. خافت سوزي تدور في الماضي وتوصل لأمها

الحقيقية وتعرف الفضيحة اللي هدت العيلة زمان فقررت تعمل أبشع حاجة ممكن أم تعملها تخلي بنتها تكرهها.
الوصية مكنتش كره كانت فخ عشان سوزي تنشغل بوجعها وبوصية أمها ومتحاولش تدور في الدفاتر القديمة. كانت محاولة أخيرة تحمي بيها سوزي حتى بعد موتها.. إنها تظهر في صورة الظالمة عشان بنتها تعيش مظلومة بس مستورة.
سوزي كانت ماسكة إيدي وبتبكي بهستيريا مش عارفة تحزن على أم فقدتها ولا على حقيقة دمرت كيانها. وأنا كنت واقف عاجز بسأل نفسي أمي كانت بتحبها لدرجة إنها تضحي بسمعتها وهي ميتة
بعد العزا بأيام البيت بقى زي القبر. سوزي حبست نفسها في أوضتها لا بتاكل ولا بتشرب وكل اللي بتعمله إنها بتسأل نفسها أنا بنت مين السؤال ده كان بيموتنا كلنا. حاولنا نقرب منها نقولها إن اللي ربت هي الأم والدم مش كل حاجة بس الكلام كان بيقع على ودان سدها الوجع.
بعد أسبوع سوزي طلبت تشوف الوصية تاني وقعدت تقراها وهي بتقول بصوت مكسور كانت خايفة عليا للدرجة دي لدرجة إنها تسيبني أكرهها عشان تحميني من ماضي مش ذنبي
في اللحظة دي العمة رجعت ومعاها صندوق خشب قديم.. مدهون بأسود وعليه قفل صدى. قالت إن أمك وصتها تسلمه لسوزي بس لما الحقيقة تبان.
الصندوق كان تقيل مش بوزنه باللي مستخبي جواه.

أول ما سوزي فتحت الصندوق لقينا جوابات بخط إيد أمها الحقيقية وصورة ليها وهي لسه مولودة ومعاهم سلسلة دهب مكسورة نصين.
فتحنا الصندوق ولقينا جواه جوابات كتير مكتوبة بخط إيد أمي متأرخة على مدار سنين طويلة. كانت بتكتب لنفسها أو يمكن ل سوزي بس مكنتش بتجرؤ أبدا إنها توريها لحد.
في أول جواب أمي كانت بتقول أنا كل يوم بصحى بخاف.. بخاف من اليوم اللي الحقيقة تطلع فيه وتكسر البنت اللي ربيتها بروحي. سامحني يا رب لو اللي بعمله غلط بس أنا مش قادرة أسيبها تضيع ولا ترجع للماضي اللي هي ملهاتش ذنب فيه.
جواب ورا جواب اكتشفنا قد إيه أمي كانت عايشة في صراع بياكل في أعصابها. حبها ل سوزي كان حقيقي بس إحساس الذنب كان بيموتها. كانت شايفة نفسها سارقة حياة حتى لو كانت نيتها الرحمة والستر.
وفي آخر جواب مكتوب قبل وفاتها بشهر واحد بس قالت لو سوزي قرأت الكلام ده في يوم يبقى أنا فشلت أحميها. الوصية القاسية دي هي آخر سلاح ليا.. خليها تكرهني وتعيش مظلومة بسببي بس تعيش مستورة ومحدش يعايرها بماضي أمها الحقيقية.
سوزي قرأت الجوابات كلها وقعدت ساكتة تماما. مفيش دموع مفيش صريخ.. الوجع
كان أعمق من أي صوت. بعد فترة طويلة قالت بصوت مخنوق أنا عمري ما حسيت إني محبوبة بجد قد النهاردة.. ولا عمري حسيت إني يتيمة ولوحدي في الدنيا زي اللحظة دي.

من اليوم ده سوزي اتغيرت خالص. بقت هادية زيادة عن اللزوم ونضجت فجأة كأنها كبرت عشر سنين في ليلة واحدة. قررت إنها تمشي من البلد كلها تسافر وتبدأ من جديد تحت اسم تاني من غير ما تدور على أمها الحقيقية ولا تفتش في دفاتر الماضي القديمة.
قالت لنا وهي بتودعنا أمي اختارت تحميني على حساب نفسها وسمعتها وهي ميتة.. وأنا لازم أكمل اللي بدأته. مش هدور على وجع تاني كفاية الوجع اللي هي شالته عشاني.
يوم سفرها وقفت قدام قبر أمي.. ما قرأتش فاتحة ولا دعت بوضوح بس همست بكلمتين هزونا كلنا أنا سامحتك.. بس مش عارفة أنساكي.
مشيت وسابتنا إحنا مع الأسئلة اللي ملهاش إجابة. هل الصح إن الحقيقة تتدفن مهما كان التمن هل الحب ممكن يبقى مؤلم وموحش بالشكل ده وهل الأمومة معناها الدم.. ولا معناها التضحية والستر
لحد النهاردة كل ما أفتكر أمي مابقتش بشوف الست القاسية اللي كتبت وصية غريبة وجعتنا كلنا.. بقيت بشوف أم اختارت تكون هي الشريرة في الحكاية عشان بنتها تعيش بكرامة. يمكن أمي
مكانتش قديسة بس الأكيد إنها كانت أم.. وأم قوية جدا.

تمت
نرمين همام

 

تم نسخ الرابط