وصية بقلم نيرمين همام

لمحة نيوز

محمود وشه بقى لون الكفن، حاول يتكلم بس صوته هرب منه. بصيت له بقرف وقلت له: سمعت صوتك وأنت بتهدده وهو بيموت يا محمود.. سمعت جبروتك. الفلوس اللي كنت هتاكل بيها حق أختك وحقي، مابقتش ملكك. أبويا حمى مريم منك، وحمانا إحنا من طمعك.

ملامحه اتخشبت وهو باصص للورقة اللي في إيدي كأنه شايف حبل المشنقة، وسعد وقع من طوله على الكرسي، مش قادر يشيل جسمه من هول الصدمة. أنا في اللحظة دي مكنش فارق معايا الأرض ولا المصنع ولا مليم واحد من اللي بيتخانقوا عليه، أنا كان بياكل في قلبي وجع إن أبويا، السند والشقا، مات وهو حاسس إنه وحيد وسط ولده.. إن "مريم" ا طلعت هي اللي شايلة سره وصاينة كرامته لحد آخر نفس، وهي اللي كانت بتطبطب على وجعه وإحنا غرقانين في حسابات المكسب والخسارة.

أنا انهرت تماماً.. حسيت إني كنت عايشة في كذبة كبيرة، ومغفلة لدرجة توجع. أبويا مكنش بيكتب التنازل ده عشان غضبان مننا، ولا ساب ممتلكاته لمريم عشان بيفضلها علينا.. لأ، ده كان بيحاول

يحمينا كلنا من طمع "محمود"، الشخص اللي كنا بنثق فيه أكتر من نفسنا، وبنعتبره "كبيرنا" اللي بيخاف علينا.بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

في اللحظة دي، فهمت الجملة اللي شخبطها بخط إيده ورا الورقة بوجع.. مكنش يقصد إننا رميناه في الشارع بجد، كان يقصد إننا "رمينا وجعه" ورا ضهرنا، إننا كنا بعيد كفاية لدرجة إننا سيبناه يحارب لوحده في معركته الأخيرة ضد جبروت ابنه الكبير. ومريم، رغم إنها مكنتش بتتعامل معانا، كانت هي "الوتد" اللي فضل جنبه من غير مقابل، لا طلبت ورث ولا طمعت في مال، كانت بتصونه بس عشان هو أبوها.

لما رجعت البيت في اليوم ده، بصيت لكل ركن بنظرة تانية خالص.. الصور اللي على الحيطان بقت باهتة، الكرسي الهزاز اللي كان بيقعد عليه بقى يوجع العين، حتى صوت إخواتي وهم لسه بيعافروا ويحاولوا يلاقوا ثغرة في تقسيم الميراث.. كل ده بقى غريب عليا فجأة. حسيت إني مابقتش أنتمي للمكان ده، ولا للناس دي.. الأمان اللي كان بيجمعنا مات مع الحاج كامل.

تاني

يوم، وقفت قدام محمود  كنت فاكرة إنه هيعيط، هيعتذر، هيقول إنه كان خايف على الورث.. بس محمود مأنكرش، ولا حتى رمشت عينه باعتذار. اكتفى بالسكوت ونظرة باردة، نظرة خلتني أتأكد إن الطمع لما بيسكن القلب بيقتل فيه أي رحمة، وبيحول الأخ لغول.

محمود (ببرود): "أنا كنت بحمي اسم العيلة يا هناء.. أبوكي اللي غلط لما فكر يفتح بيت تاني ويجيب لنا واحدة تقاسمنا في شقانا." هناء (بدموع قهر): "اسم العيلة؟ إنت قتلت أبوك بالحيا يا محمود.. سيبتله الوجع والوحدة وصُنت الفلوس؟ مبروك عليك الفلوس اللي مابقاش ليها صاحب، ومبروك عليا أختي اللي طلعت أشرف منك."

خدت قراري في لحظتها.. قطعت علاقتي بيه تماماً، وجمعت كل حاجة تخصني وخرجت من البيت من غير ما أبص ورايا، سيبت له الحيطان يشبع بيها.

الغريب ان مريم ادتنا حقنا زي  ربنا امر وبالعدل الشرعي عرفت وقتها ان فعلا ان وجهه نظر ابويا صح وانه كان عارف ان محمود كان ممكن ياكل حقنا 

النهاردة، أنا وعايشة

مع مريم في نفس البيت البسيط اللي سابه أبويا. مش حاسين إننا ورثنا مجرد طوب وأرض، إحنا ورثنا "قصة كاملة".. قصة راجل عاش ممزق بين خوفه علينا وحبه للي صانته، بين عيلته اللي خذلته وضميره اللي صحي في الآخر، بين ماضي مكنش قادر يعترف بيه وحاضر مكنش عارف يهرب منه.

كل ليلة، بفتح المصحف اللي سابه لنا.. مابقاش بالنسبة لي مجرد كتاب بقرأ فيه وبس، بقى رسالة صامتة منه لينا كل ما ألمس صفحاته، بتفكرني إن الحقيقة ساعات بتستخبى بين السطور، وإن الإنسان قيمته مش في اللي بيجمعه في البنك، قيمته في الأثر اللي بيسيبه في قلوب اللي حبوه بجد وشالوه في وقت الضيق.

اتعلمت من كل اللي حصل إن أقسى طعنة مش اللي بتيجي من الغريب، دي اللي بتيجي من "دمك"، من الناس اللي فاكرين إنهم حتة منك وهم في الحقيقة أبعد ما يكون عنك. بس اتعلمت كمان إن العدل ممكن يتأخر بس عمره ما بيضيع، وإن الحب الصادق، حتى لو عاش في الضلمة سنين طويلة، لازم في الآخر يخرج للنور ويحرق كل الوشوش الكدابة.

بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

تمت

تم نسخ الرابط