قصة بقلم أماني السيد
الأكل جاهز يا عبد الصمد… بس مش في المطبخ.
سكتوا هما الاتنين وبصوا لي باستغراب، وأنا كملت بصوت ثابت رغم الزلزال اللي جوايا:
“الأكل جاهز على السفرة… وكمان كلامي جاهز. وده آخر يوم ليا في البيت ده.”
هنية قامت واقفة وقالت بسخرية: “آخِر يوم؟ هو انتي فاكرة نفسك رايحة فين؟ ده بيت جوزِك.”
بصيت لها بهدوء عمري ما حسّيته قبل كده وقلت:
“لا يا هنية… ده بيتك إنتي. وأنا عمري ما كنت زوجة هنا… كنت وظيفة مؤقتة. والوظيفة دي استقالت.”
عبد الصمد اعتدل في قعدته وقال بحدة:
“إنتي اتجننتي؟ تمشي تروحي فين وإنتي حامل؟ الناس هتقول إيه؟”
ضحكت ضحكة خفيفة كلها وجع:
“الناس؟ إنت فاكرني لسه بهتم بكلام الناس بعد ما شوفت نظرتك النهارده؟ بعد ما فهمت إن كرامتي عندك أرخص من خوفك على إيدها؟”
سكت، ملاقاش رد.
كملت وأنا برفع راسي لأول مرة من يوم ما دخلت البيت ده:
“أنا داخلة الجوازة دي كنت فاكرة إني هكون زوجة، شريكة، إنسانة ليها قيمة. طلعت سلعة… اتدفعت فيها فلوس عشان تؤدي غرض. بس نسيتوا حاجة مهمة… السلعة ملهاش روح، وأنا عندي روح… وعندي كرامة.”
هنية قالت بحدة: “وإنتي فاكرة إنك تقدري تعيشي لوحدِك؟”
بصيت في عينيها بثبات:
“أه… أقدر. يمكن أتعب، يمكن أبكي، يمكن أبتدي من الصفر… بس هبتدي وأنا واقفة، مش مكسورة.”
دخلت الأوضة، لمّيت
“استني يا سمر… إحنا ممكن نحل الموضوع بينا.”
لفيت له بهدوء:
“الموضوع اتحل خلاص… يوم ما اخترت تبقى في صف اللي ضربتني، مش في صف مراتي. يوم ما قلتلي أعرف مقامي.”
وقفت قدامه آخر مرة وقلت:
“مقامي مش هنا. مقامي في مكان يقدرني، حتى لو كنت لوحدي.”
مشيت ناحية الباب، قلبي بيدق بقوة… مش خوف، لكن حرية. أول خطوة برا البيت كانت تقيلة، بس الخطوة التانية كانت أخف… والتالتة أخف وأخف.
الهواء برا كان بارد، بس أنضف من أي نفس خدته جوه البيت ده.
عدّى شهور…
بدأت أشتغل، أتعب، أتعلم أعتمد على نفسي. كل يوم كنت ببني نفسي من جديد، مش عشان أثبت حاجة لحد… لكن عشان أثبت لنفسي إني أستاهل أحسن.
ولما ابني جه الدنيا، وأنا بوعده وعد واحد بس:
إنه عمره ما يشوف أمه مكسورة قدام حد.
وإنه يتعلم إن الست مش “تابعة” ولا “ضيفة”… الست كيان كامل.
في يوم من الأيام، شفت عبد الصمد صدفة. كان باين عليه الإرهاق، وحياته مش زي ما كان فاكر. بصلي بنظرة ندم واضحة.
لكن الغريب؟
محستش بأي انتصار… ولا بأي وجع.
حسيت بس بالسلام.
لأن أقسى قلم اتضربته في حياتي… كان هو السبب إني أفوق.
وأوقات كتير، الصفعة اللي بتيجي على
وده كان آخر يوم في حكاية سمر الضعيفة…
وأول يوم في عمر سمر القوية.
القصة الثانية 👇👇
زوجي وأنا كنا نسافر بالقطار عندما جلست امرأة ترتدي ملابس زاهية وملونة بجانبي، ونظرت إلى زوجي النائم وهمست بصوت خافت:
— عليك النزول في المحطة القادمة 😢
في البداية لم أصدقها، لكنني قررت الاستماع لها. وعندما نزلت من القطار، التفتت وفجأة رأيت شيئًا ملأ قلبي بالرعب 😱
كنا عائدين من بيت والديّ في قطار ليلي. غرق زوجي في النوم بسرعة على الطابق العلوي، متعبًا من الرحلة والحديث الطويل. جلست بجانب النافذة، أحدق في الظلام، حيث تتلألأ أضواء المحطات أحيانًا. كان المقصورة هادئة، يملؤها إيقاع العجلات المستمر وشخير زوجي الخفيف.
أنا في الثالثة والأربعين من عمري. خلفي طلاق، سنوات من تحمل كل شيء بمفردي، وابنة بالغة نشأت تقريبًا بلا أب. توقفت منذ زمن عن تصديق القصص الجميلة عن السعادة المفاجئة.
حافظت على مسافة من الرجال حتى ظهر هو. هادئ، مرتب، منتبه. التقيت به صدفة في متجر، ثم جاء القهوة، والمشي، وحديث عادي. لم يضغط عليّ، لم يستعجل، كان يستمع. أخبرني أنه فقد زوجته بسبب المرض، وصدّقته. بعد عدة أشهر تزوجنا
كان يساعد في البيت، يطبخ، ويأخذني من العمل. شعرت
ابنتي عاملته بحذر، لكنني اعتبرت ذلك غير ضروري وغيرة لا داعي لها. عندما دعاني والديّ للزيارة، اقترح أن نذهب معًا. هناك أظهر أفضل ما لديه: أصلح البوابة، قاد والدي إلى الطبيب، وكان مهذبًا ومنتبهًا. أعجب والديّ به، وأخيرًا اقتنعت أنني لم أخطئ
سافرنا عائدين ليلاً. كانت المقصورة هادئة. غرق زوجي في النوم فورًا. لم أستطع النوم، كنت أفكر في المستقبل وكيف سارت الأمور على نحو غير متوقع.
انفتح باب المقصورة دون طرق. في الممر وقفت امرأة سمراء البشرة ترتدي تنورة طويلة زاهية ووشاح على رأسها. لم تطلب المال، ولم تعرض قراءة الطالع. نظرت إليّ، ثم إلى زوجي النائم، وقالت بهدوء:
— عليك النزول في المحطة القادمة. فقط لا توقظيه، أو ستندمين.
لم يكن هناك رجاء أو مزاح في صوتها. فقط يقين. ضاقت حلقي. لا أؤمن بالخرافات، لكن لسبب ما شعرت بالخوف. كان زوجي نائمًا بعمق ولم يسمع شيئًا.
خرجت للممر مرعوبه من ماسمعته ووجدتها
المرأة ذات التنورة الزاهية وقفت بعيدًا قليلًا، تراقب بعناية. وعندما التقت أعيننا، قالت بهدوء:
— تعرفت عليه. لقد كان في مدينة أخرى باسم مختلف منذ ٤ سنوات وعد بالحب، تزوج من فتاة في مدينتي روي نفس القصة لها ارمل وحزين ويحتاج بداية جديدة ثم اختفى مع المال والأوراق بعد ما
عاش مع امرأة أخرى، أخذ قروضًا باسمها، نقل ممتلكاتها، ثم اختفى.