شر زوجي و حماتي

لمحة نيوز

يا دوب رجلي خطت عتبة الباب بعد نص الليل، والبرد ناشف في ضهري من عشر ساعات شغل واقفة على رجلي، لقيت القلم نازل على وشي بكل قوة خلّى وداني تصفر وطعم الدم يملأ بقي، و"كول" واقف قدامي بعنيه المبرقة وصوته البارد اللي أرخم من الزعيق وهو بيقول إني ولا حاجة وإن أمه جعانة ولازم أدخل أطبخ حالاً، ومن وراه "إيفلين" واقفة في طرقة الصالة لامة شعرها ووشها ناشف كأنها قاضي مستني ينطق الحكم، اتحركت ناحية المطبخ من غير ما أفكر، جسمي اتعلم الطاعة في البيت ده قبل ما عقلي يعرف يعني إيه اعتراض، الساعة كانت 12:17 وأنا ضهري بيصرخ من الوجع وبطني تقيلة وسر مكتوم بيني وبين نفسي محدش يعرفه غيري، كنت مستنية اللحظة المناسبة أقول له إني حامل وإن يمكن الخبر ده يلين قلبه شوية، طبخت فراخ ورز وخضار وإيدي بتترعش وقلبي بيدق بسرعة غريبة، حطيت الطبق قدام "إيفلين" وهي قاعدة كأنها ملكة، خدت قطمة ووشها اتلوى وتفت الأكل في الطبق وزقتني، رجعت لورا خبطت في الرخامة، والوجع قطع في بطني زي سكينة سخنة، حسيت بحاجة دافية بتنزل على رجلي، بصيت لقيت الدم بيفرش، همست برجاء أطلبوا الإسعاف، "كول" خطف الموبايل ورماه بعيد وقال مش هتبوظي السهرة بدراما رخيصة، في اللحظة دي العياط وقف فجأة، الخوف اتحول لبرود، حسيت إن في حاجة قديمة جوايا بتصحى، سندت بطني وبصيت في عينيه وعين أمه وقلت بهدوء كلم أبويا، ضحكوا بسخرية، ما كانوش يعرفوا إن أبويا مش مجرد راجل كبير متقاعد زي ما كنت بحكي لهم، ما كانوش يعرفوا إن اسمي الحقيقي اللي غيرته عشان أعيش حياة عادية بعيد عن العيلة هو مفتاح أبواب تقفل وتفتح بكلمة، زحفت بالعافية ناحية الباب وأنا الدم بيغرق هدومي، فتحت الباب وخرجت للشارع وأنا حاسة الدنيا بتسود، الجيران بدأوا يتلموا، حد اتصل بالإسعاف، آخر

حاجة شفتها نور العربية الأبيض قبل ما أفقد الوعي، فوقت في المستشفى على صوت أجهزة وصفير وريحة مطهرات، دكتور بيقول بهدوء آسف يا مدام الجنين مقدرش يكمل، كلمة واحدة بس كانت بتتردد في دماغي ضاع، دمعة نزلت في صمت، مش بس على ابني اللي ما شفتوش، لكن على نفسي اللي فضلت ساكتة سنين، طلبت موبايل، الممرضة حاولت تريحني بس قلت لها من فضلك رقم واحد بس، حفظاه أكتر من اسمي، رن مرة واتنين، ولما رد الصوت اللي سمعته كان ثابت وقوي، قلت له أنا في المستشفى، في أقل من ساعة المستشفى كلها كانت واقفة على رجلها، رجال ببدل رسمية، نظرات احترام للدكتور، ممرضة بتعدل المخدة باهتمام زائد، باب أوضتي اتفتح ودخل أبويا، نفس الوقفة المستقيمة اللي اتربيت عليها، نفس النظرة اللي تخليك تحس إنك في أمان مهما كان اللي حواليك، مسك إيدي وبص في عيني من غير ما أتكلم وفهم كل حاجة، ما سألش ليه ساكتة كل السنين، ما سألش ليه استحملت، قال بس بصوت واطي حقك هيرجع، بعدها كل حاجة اتحركت بسرعة، بلاغ رسمي اتعمل، تقرير طبي اتوثق، الكاميرات في البيت اتراجعت، شهود الجيران اتسجلت أقوالهم، "كول" اتاخد من بيته قدام أمه اللي كانت بتصرخ وبتقول دي مؤامرة، الاتهامات كانت واضحة اعتداء أدى لإجهاض متعمد ومنع إسعاف مصابة، فجأة الراجل اللي كان شايف نفسه ملك البيت بقى واقف قدام قانون أكبر منه، وأنا خرجت من المستشفى على بيت تاني خالص بيت أبويا، قعدت أيام ما بتكلمش كتير، بس جوايا حاجة بتتبني من جديد، ما كنتش عايزة انتقام أعمى، كنت عايزة عدل، القضية أخدت وقت لكن كل جلسة كانت بتثبت حقيقة واحدة إن الصمت مش ضعف طول الوقت، أحياناً بيكون صبر قبل العاصفة، "إيفلين" حاولت تتبرأ وتقول إنها ما لمستنيش، بس التسجيلات وصوتها وهو بيقول ما تمثليش فضحها، الحكم نزل
بحبس وغرامة وتعويض، الفلوس ما كانتش هتعوض ابني، بس كانت بداية استقلالي الحقيقي، قدمت على شغل أحسن بخبرتي اللي كنت بخبيها عشان أرضي غرور جوزي، رجعت لاسمي الحقيقي، اشتريت شقة صغيرة بنفسي، أول مرة دخلتها حسيت إن رجلي بتخط على أرض تخصني أنا، علقت صورة سونار كنت محتفظة بيها في درج سري، وقفت قدامها ووعدت الطفل اللي راح إن أمه عمرها ما هتسكت تاني، أبويا كان بيزورني كل أسبوع، مش بصفته رجل نفوذ، لكن أب اتعلم إن بنته محتاجة تحس إنها قوية بنفسها مش بس بسلطته، الشهور عدت، الألم خف شوية، مكانه بقى قوة هادية، بقيت أتكلم، أقول لأي بنت تقابلني إن أول قلم مش بسيط وإن أول إهانة هي إنذار، قصتي انتشرت من غير ما أسعى، مش عشان أبويا مين، لكن عشان أنا قررت أقول كفاية، وفي يوم وأنا واقفة في بلكونتي بشرب قهوتي الصبح، الشمس داخلة على وشي، حطيت إيدي على بطني فاضية لكن قلبي مليان، افتكرت الليلة دي بكل تفاصيلها، وما حسيتش ضعف، حسيت إن دي كانت اللحظة اللي اتولدت فيها من جديد، مش كضحية، لكن كواحدة عرفت قيمتها، واللي فاكر إنه يقدر يكسرها اكتشف متأخر إنه كان بيبني لها طريق الخروج بيده.

عدت سنة كاملة على الليلة دي، سنة كنت فيها كل يوم بصحى من النوم حاسة إن في حاجة ناقصة، بس في نفس الوقت في حاجة بتكبر جوايا، قوة غريبة كأنها بتتعوض عن كل لحظة ضعف فاتت، ما رجعتش للشغل بس عشان الفلوس، رجعت عشان أثبت لنفسي إني أقدر أقف على رجلي من غير حد، اشتغلت أكتر، اتعلمت أكتر، أخدت دورات، وطورت نفسي لحد ما بقيت في مكان عمري ما تخيلت أوصله وأنا قاعدة في المطبخ الساعة 12 بالليل بستنى حكم "إيفلين" على طبقي، بقيت أنا اللي بتتحكم في وقتي، أنا اللي بقول لأ ومحدش يقدر يعلي صوته عليا، وأبويا كان دايماً في ضهري بس المرة دي كان

سايبني أمشي لوحدي، يتدخل بس لو احتاجته، وده كان أهم درس، إن القوة مش إن حد يحارب بدالك، القوة إنك تعرف إنك تقدر تحارب لوحدك.

في يوم من الأيام، جالي اتصال غريب من رقم مش مسجل، ترددت لحظة وبعدين رديت، الصوت كان واطي ومكسور، كان "كول"، خرج بعد ما خلص مدة حبسه، حاول يتكلم بثقة مزيفة، قال إنه اتغير وإنه عايز يقابلني عشان يعتذر، سكت شوية وأنا سامعة أنفاسه المتلخبطة، زمان كنت هترعش، كنت هتوه، إنما دلوقتي حسيت بحاجة واحدة بس… شفقة، مش عليه، لكن على البنت اللي كنتها زمان، اللي كانت ممكن تضعف قدام كلمتين، قلت له بهدوء إن حياتي مفيهاش مكان للي كسرني، وإن الاعتذار الحقيقي مش كلمة، الاعتذار إنك تسيب اللي أذيته يعيش في سلام، وقبل ما يقفل حاول يقول اسم ابني، أول مرة ينطقه، ساعتها قلبي دق جامد، بس ما بكيتش، قلت له الاسم ده مش من حقك، وقفلت.

الموضوع ما انتهيش عند كده، لأن الماضي أوقات بيحاول يرجع يطرق الباب، "إيفلين" حاولت توصل لي عن طريق ناس، تبعت رسائل إنها كانت مضغوطة وإنها ما كانتش تقصد، لكن الحقيقة إن القسوة مش غلطة لحظة، القسوة طبع بيتكرر، وأنا كنت دفعت تمنه غالي، اخترت أسامح جوايا عشان أرتاح، بس أسامح مش معناها أرجع، ولا أفتح باب اتقفل بدموعي.

بدأت أشارك في مبادرات لدعم الستات اللي بيتعرضوا لعنف، أول مرة وقفت قدام مجموعة كبيرة أحكي قصتي، صوتي كان ثابت، بس جوايا بحر مشاعر، حكيت عن أول قلم، عن أول إهانة، عن اللحظة اللي فقدت فيها ابني، وعن الكلمة اللي غيرت كل حاجة: "كلم أبويا"، البنات كانوا باصين لي بعيون مليانة دموع وأمل في نفس الوقت، واحدة منهم جت بعد المحاضرة حضنتني وقالت إن قصتي خلتها تاخد قرار تسيب بيت كان بيموتها بالبطيء، ساعتها حسيت إن ابني ما راحش هدر، إن ألمه بقى نور لطريق

حد تاني.

تم نسخ الرابط