شر زوجي و حماتي

لمحة نيوز

السنين عدت، وبيتي الصغير كبر بأحلامي، حطيت نباتات في البلكونة، لونت الحيطان بألوان دافية، عملت ركن صغير فيه مكتب وكتب وصورة السونار اللي لسه محتفظة بيها، بقيت أكتب، أكتب عن كل حاجة حسيتها، عن الخوف، عن الغضب، عن القوة اللي بتيجي بعد الانكسار، الكتابة بقت علاجي، وكل كلمة كانت بتشيل طوبة من جبل كان على صدري.

وفي يوم غير متوقع، عرفت إني حامل تاني، الخبر جالي زي نسمة هادية بعد عاصفة طويلة، خوفت في الأول، خوفت أفرح، خوفت أعيش نفس الوجع، لكن المرة دي كنت في بيت آمن، في حياة مستقرة، في دايرة ناس بتحبني وتحترمني، قعدت على سريري حاطة إيدي على بطني وبعيط، مش من الحزن، لكن من الامتنان، قلت في سري إن المرة دي مش هسمح لحد يكسر اللحظة دي.

فترة الحمل كانت مليانة قلق، كل كشف عند الدكتور كان بيرجع لي ذكريات المستشفى الأولى، بس كل مرة كنت بخرج باسمة وأنا سامعة النبض، النبض اللي كان بيدق زي وعد جديد، أبويا كان بيجي معايا أوقات، يقعد مستني بره العيادة بعصبيته اللي بيحاول يخبيها، ولما أطلع يقول لي بصوت جاد بس عينه بتلمع ربنا يعوضك خير، وكنت بحس إن التعويض مش بس طفل جاي، التعويض هو الرحلة كلها، من الضعف للقوة.

يوم الولادة

كان صعب وطويل، بس لما حطوا بنتي على صدري، الدنيا كلها سكتت، بصيت في وشها الصغير وحسيت إن قلبي اتصلح حتة حتة، سميتها "أمل"، لأن ده كان أكتر إحساس مسكني في أصعب لحظة في حياتي، وعدتها وأنا ببوس جبينها إني عمرها ما هتشوف أمها مكسورة، وإنها هتتعلم من أول يوم إن كرامتها خط أحمر.

كبرت "أمل" وسط حب وأمان، وأنا كبرت معاها، بقيت أضحك أكتر، أخرج أكتر، أعيش من غير ظل الماضي ورايا، يمكن الندبة لسه موجودة، يمكن في ليالي قليلة بفتكر كل حاجة وأعيط في هدوء، بس الفرق إن العياط دلوقتي مش ضعف، ده تفريغ، ده ذكرى بتعدي من غير ما تدمرني.

وفي مرة شفت "كول" صدفة في مكان عام، عينه جات في عيني للحظة، شفت فيها ندم وتعب وسنين ضاعت، لكنه بالنسبة لي كان مجرد فصل قديم اتقفل، مسكت إيد بنتي ومشيت من غير ما أغير سرعتي، لأن أقسى عقاب للي حاول يكسرك إنك تبقى بخير من غيره.

دلوقتي لما أقف قدام المراية وأبص لنفسي، ما بشوفش الست اللي وقعت على أرض المطبخ والدم حواليها، بشوف واحدة عدت من النار وطلعت أقوى، بشوف أم، بشوف بنت كانت محتاجة تصدق إن ليها ضهر وسند، والأهم بشوف إن السند الحقيقي كان جواها طول الوقت، مستني اللحظة اللي تقول فيها كفاية، اللحظة

اللي تهمس فيها بهدوء وثقة، كلم أبويا، وهي عارفة إن الدنيا بعدها مش هتبقى زي قبلها أبداً.

في الآخر، الحقيقة الوحيدة اللي فضلت واقفة بعد ما الغبار كله هدِي إن القوة ما كانتش في اسم أبويا، ولا في نفوذه، ولا في الحكم اللي نزل، القوة كانت في اللحظة اللي قلبي قرر فيها يبطل يخاف، في اللحظة اللي بطلت أستجدى الرحمة من ناس ما يعرفوش يعني إيه رحمة، في اللحظة اللي فهمت فيها إن الكرامة مش رفاهية، دي شرط حياة، وإن أول مرة تسامحي على قلم هي أول مرة بتتنازلي عن نفسك، وإن كل تنازل بعده بيبقى أسهل لحد ما تلاقي نفسك اختفيتي.

أنا ما خرجتش من التجربة دي زي ما دخلتها، خرجت بندبة آه، بس الندبة دي بقت وسام، تذكرة دايمة إني عدّيت من جحيم وما اتحرقتش، إني وقعت في أرض المطبخ والدم حواليا، لكن قومت على رجلي وبنيت أرض جديدة باسمي أنا، مش باسم حد، تعلمت إن اللي يرفع إيده عليك مرة هيرفعها ألف، وإن اللي يشوف دموعك ضعف هيستسهل كسرك، بس اللي يشوف صمتك قوة هيحسب لك ألف حساب.

ما بقاش عندي خوف من الوحدة، لأن الوحدة مع كرامة أهون بكتير من صحبة فيها إهانة، ما بقاش عندي استعداد أبرر القسوة باسم الحب، ولا ألبس القيود باسم العِشرة، عرفت إن الحب

الحقيقي ما يخوفش، ما يوجعش، ما يقللش، وإن البيت مش حيطان وسقف، البيت أمان، ولو الأمان راح يبقى المكان مجرد سجن مهما كان شكله حلو.

واللي حاولوا يكسروني اتعلموا متأخر إن الإنسان لما بيتظلم ممكن يسكت سنين، لكن لما بيقوم بيقوم بكل حقه، وإن البنت اللي كانوا شايفينها ضعيفة كانت بس مستنية اللحظة المناسبة عشان تفتح الباب وتمشي من غير رجوع، مش هقول إن الطريق كان سهل، ولا إن الجرح اختفى، بس أقدر أقول إني بقيت أقف قدام الدنيا وظهري مستقيم، عيني في عين أي حد، وصوتي ثابت، لأن اللي يعدي من الخيانة والقهر والفقد ويرفض يتحول لنسخة قاسية من اللي أذاه، ده أقوى بكتير من أي حد فكر يوم إنه يقدر يطفي نوره.

دلوقتي لو حد سألني مين أنا، مش هقول ضحية نجت، ولا مطلقة أخدت حقها، ولا بنت راجل قوي، أنا واحدة عرفت قيمتها متأخر بس تمسكت بيها للنهاية، واحدة دفعت تمن الدرس من قلبها وخرجت بيه سلاح يحميها طول العمر، ولو رجع بيا الزمن للحظة اللي همست فيها "كلم أبويا"، ههمسها تاني، بس المرة دي مش عشان حد ينقذني… ههمسها لنفسي، عشان أفكرها إن ضهرها الحقيقي عمره ما كان براها، كان دايمًا جواها، مستنيها تصدق إنها تستاهل تعيش مرفوعة الراس، وما تقبلش

بأقل من كده أبداً.

 

تم نسخ الرابط