حكاية مادي.. الطفلة اللي شالت شيلة أكبر من سنها كانت الساعة لسه خمسة ونص الفجر والدنيا في عز طوبة مطر خفيف بس ساقع يخترق الجلد ويدخل على العضم والحاج إسماعيل كان واقف في الزريبة بيحلب آخر بقرة بخاره طالع من بقه مع النفس وإيده الخشنة بتتحرك بخبرة سنين فجأة سمع خبطة خفيفة على الباب الخشب خبطة مكسوفة كأنها خايفة تتسمع رفع راسه واتنحنح بصوته التقيل مين وجاله صوت رفيع مهزوز بالله عليك يا حاج عايزة شوية لبن بس عشان أخويا الصغير فتح الباب لقى طفلة ما تكملش سبع سنين هدومها خفيفة ومترقعة بألوان كتير شعرها لازق في وشها من المطر ووشها شاحب من البرد وفي حضنها بيبي ملفوف في بطانية قديمة بيصرخ صرخة جوع توجع القلب إسماعيل اتسمر لحظة الساعة بدري والناس لسه نايمة بص لها بشك وقال أبوكي وأمك فين ومين اللي بعتك في البرد ده نزلت عينيها الأرض وضمت البيبي أكتر وقالت بصوت مكسور محدش بعتني أنا هشتغل مكان اللبن همسح أكنس أعمل أي حاجة بس مش عايزة أشحت الكلمة خرجت منها فيها كبرياء وخوف في نفس الوقت إسماعيل حس بحاجة
بتخبط في صدره دخل من غير كلام وسخن لبن طازة وهي واقفة تراقب الكوباية كأنها كنز أول ما مسكت الرضاعة إيدها كانت بتترعش والبيبي مسك فيها بلهفة وسكت تدريجيا سألها بهدوء اسمك إيه يا بنتي قالت مريم والناس بتقولي مريومة وده أخويا نوح ساكنة فين سكتت ثانية طويلة وقالت قريب في بيت بس عينها فضحت الكدبة إسماعيل ما اقتنعش سابها تمشي بعد ما حلفت إنها هترجع تاني تشكره واستنى دقيقتين وطلع وراها من غير ما تحس المطر كان بيزود والطين لازق في رجله شافها ماشية بسرعة رغم صغرها لحد ما خرجت بره البيوت ووصلت لأرض فاضية جنب ترعة قديمة هناك كانت المفاجأة دخلت جوه عشة مهجورة كانت زمان مخزن علف سقفها مخروم وحيطانها ميلة إسماعيل قرب بحذر وبص من شق في الخشب شاف مريم بتحط نوح على كرتونة مفروشة ببطاطين مقطعة ومفيش أي حد تاني لا أب ولا أم بس شنطة هدوم صغيرة وعلبة دواء فاضية قلبه وقع خبط على الباب ودخل فجأة مريم اتفزعت وحضنت نوح بخوف قال لها بنبرة حاسمة إنتوا لوحدكم هنا سكتت وبعدين دموعها نزلت وقالت ماما قالتلي أخد نوح
وأستخبى هنا شوية وقالت هتيجي تاخدنا بس بقالها تلات أيام ماجتش إسماعيل حس إن في مصيبة سألها عن أبوها قالت بصوت أوطى بابا مسافر بس ارتباكها كان واضح خرج إسماعيل وهو ناوي يعرف الحقيقة سأل في البلد عرف إن أمهم كانت شغالة خدامة عند عيلة غنية وإن في مشاكل كتير بينها وبين واحد صاحب نفوذ كان عايزها تمشي من البيت بعد ما مات أب الأولاد في حادث غامض الحادث اللي اتقفل بسرعة من غير تحقيق وإسماعيل بدأ يشك إن في لعبة كبيرة رجع للعشة تاني وقرر ياخدهم عنده مؤقتا مريم في الأول رفضت بعناد وقالت ماما قالتلي ما أثقش في حد بس لما البرد اشتد ونوح بدأ يسخن من البرد وافقت دخلهم بيته الصغير جنب المزرعة دفاهم وأكلهم ومن يومها بقى يروح يسأل ويبحث لحد ما عرف إن الأم كانت ناوية ترفع قضية تثبت إن الحادث مدبر عشان ياخدوا البيت منها وإنها كانت مهددة وفجأة اختفت إسماعيل ما سكتش بلغ الشرطة ولف على محامي شاطر في المركز وبدأت حكاية طويلة في المحاكم ظهرت أوراق بتثبت إن الأب كان رافض يبيع أرضه لنفس الراجل صاحب النفوذ وإنه
اتعرض لتهديد قبل الحادث بأيام ومع ضغط إسماعيل وشهادة مريم اللي حكت عن خناقة كبيرة سمعتها قبل وفاة أبوها القضية اتفتحت من جديد واتقبض على الراجل المتنفذ بتهمة تدبير الحادث وخطف الأم لإجبارها تتنازل عن البيت وبعد شهور من البحث لقوا الأم محتجزة في شقة مهجورة في مدينة تانية كانت ضعيفة بس عايشة وأول ما شافت مريم ونوح انهارت في حضنهم اللحظة دي خلت إسماعيل يحس إن ربنا ما بيضيعش حق حد المحكمة حكمت بسجن المتهمين والبيت رجع لصحابه والأم خدت تعويض كبير ساعدها تبدأ من جديد لكن الأهم إن مريم ما بقتش الطفلة اللي واقفة في المطر تستجدى لبن بقت تروح المدرسة كل يوم وإيدها في إيد أمها ونوح كبر وسط أمان ما كانش يحلم بيه والحاج إسماعيل بقى بالنسبة لهم مش بس راجل ساعدهم لأ بقى جد وقلب وسند وكل ما المطر ينزل في الفجر مريم تفتكر اللحظة اللي وقفت فيها قدام باب المزرعة وهي فاكرة إن الدنيا كلها قفلت في وشها وتبتسم لأنها عرفت إن في عز البرد ممكن ربنا يبعت دفء في صورة إنسان قلبه طيب وإن طفلة صغيرة ممكن تبقى سبب في