مريم و نوح

لمحة نيوز

كشف مؤامرة كبيرة وإن الشيلة اللي كانت أكبر من سنها ما كسرتهاش دي خلتها أقوى من أي حد كان فاكر إنه يقدر يدفن الحقيقة تحت طين المطر.
وفي ليلة الحكم لما القاضي نطق بالكلمة اللي الكل كان مستنيها ساد الصمت ثواني كأن الزمن نفسه وقف ياخد نفس عميق قبل ما يكمل. مريم كانت واقفة ماسكة إيد أمها صوابعها الصغيرة متشبثة فيها كأنها لسه خايفة الدنيا تخطفها تاني. بس لما سمعت الحكم لما سمعت إن الحق رجع وإن الظلم اتفضح قدام الكل حست إن الحمل اللي كان فوق صدرها من وهي عندها سبع سنين بيتفك حتة حتة. مشيت دموعها في هدوء مش دموع ضعف دي دموع طفلة استحملت أكتر من طاقتها وآن الأوان ترتاح.
الحاج إسماعيل كان واقف وراهم ساكت كعادته بس عينه كانت مليانة فخر. الراجل اللي صحي بدري عشان يحلب بقرته ماكانش يعرف إن خبطة خفيفة على باب الزريبة هتغير مصير
عيلة كاملة. ماكانش يعرف إن قراره إنه يسمع بدل ما يطرد وإنه يصدق بدل ما يشك هيبقى الفرق بين حياة بتندفن في عشة مهجورة وحياة بتتولد من جديد.
مريم بعدها بسنين كل ما حد يسألها عن أقوى ذكرى في حياتها ما تحكيش عن المحكمة ولا عن الحكم ولا عن الفلوس اللي رجعت. تحكي عن كوب اللبن الدافئ في فجر ساقع. عن إيد كبيرة خشنة اتحطت على راسها وقالت لها إنت مش لوحدك. لأن ساعات النجاة مش بتبدأ بقرار قاضي بتبدأ بقلب ما قساش.
كبرت مريم بس عمرها ما نسيت العشة ولا البرد ولا صوت نوح وهو بيعيط من الجوع. الذكريات دي ماكسرتهاش بالعكس خلتها تختار تبقى صوت لكل طفل اتساب لوحده. دخلت كلية حقوق وكانت دايما تقول إن أول قضية في حياتها بدأت وهي واقفة في الطين تحت المطر. كانت بتحارب عشان كل أم ماتهزش وكل طفل ما ينامش جوعان وكل راجل فاكر إن نفوذه أقوى
من الحق يعرف إن في يوم الحساب جاي.
ونوح نوح اللي كان بيصرخ في حضن بطانية مهلهلة كبر وهو دايما يبص لأخته كأنها بطلة خارقة. ماكانش فاهم وهي صغيرة إزاي كانت شايلة عنه البرد والجوع والخوف بس لما كبر وعرف عمره ما نسي. كان يقول دايما أنا اتولدت مرتين مرة يوم ما جيت الدنيا ومرة يوم مريم وقفت قدام باب المزرعة.
أما أمهم فكانت كل ليلة تبص عليهم وهما نايمين وتحمد ربنا إنها ما استسلمتش. يمكن اتكسرت يمكن اتخذلت يمكن خافت بس إيمانها إن ربنا شايف كان أقوى من أي تهديد. وكانت دايما تقول لمريم اللي عاش في العتمة وعرف طريق النور عمره ما يرجع يضيع.
والحاج إسماعيل فضل بسيط زي ما هو. لا طلب شكر ولا استنى مقابل. بس كل ما مريم تنجح في قضية كانت أول شهادة تقدير تحطها في إيده هو. تقول له ده بسببك. فيبتسم ابتسامة خجولة ويرد لا يا بنتي ده بسبب
قلبك.
الحكاية دي مش عن مؤامرة بس ولا عن قضية في المحكمة. دي حكاية عن إن الشر ممكن يخطط ويتآمر ويضغط بس الخير لما يتحرك لو بخطوة صغيرةيقدر يقلب الموازين. حكاية عن طفلة كانت المفروض تعيش طفولتها فاضطرت تبقى أم وأخت ومحامية ومحاربة في نفس الوقت ومع ذلك ما فقدتش طيبتها.
وأقوى حقيقة خرجت من كل اللي حصل إن أوقات كتير ربنا ما بينقذناش بمعجزة بتنزل من السما لكن بإنسان عادي جدا بيقرر يسمع يساعد ويصدق دموع طفل.
وفي كل مرة المطر ينزل على الأرض ويخبط على شبابيك البيوت في حد يمكن فاكر إن ده صوت برد ووحدة لكن في بيت صغير جنب مزرعة الصوت ده بقى رمز لبداية جديدة. لأن في فجر بارد جدا طفلة اسمها مريم خبطت على باب والباب اتفتح ومعاه اتفتح باب عدل وأمل وحياة كاملة كانت على وشك تضيع.
دي مش نهاية قصة دي بداية وعد إن الحق لو اتأخر عمره
ما بيموت.

تم نسخ الرابط