الصدمة

لمحة نيوز

بعد الخوف والصدمة اللي حسيت بيهم لما جوزي سألني عن بنتنا، قعدت على السرير وبدأت أعيد ترتيب كل الأحداث في دماغي، كل تفصيلة صغيرة، كل لحظة، كل إحساس. قلبي كان بيدق بسرعة وكأن العالم كله اتقلب فوق دماغي، كل حاجة حواليّا اختلطت، وكأني بفكر في حياة كاملة كلها مشوشة ومش متماسكة. وقفت وحاولت أفكر: هل ممكن يكون أي حاجة من اللي حصل ده حقيقي؟ إيدي بدأت ترجف، عقلي رجع تاني لليلة قبل الفرح، وفجأة لاحظت حاجة غريبة، حاجة كانت مختلفة عن الواقع.

بدأت أراجع كل المواقف: الطريق للفندق، الجو اللي حواليّا، وحتى الصوت اللي كنت سامعاه في نفسي… كل حاجة كانت واضحة وكأنها حقيقية، لكن مع كل مرة كنت بفتكرها، كان فيه شعور غريب بالاختلاف، كأن جزء مني بيقوللي: "دي مش حقيقة… دي مجرد دماغك بتحاول تواجه القلق والخوف." حسيت برعشة في جسمي، ورجعت أقعد على السرير، وبصيت حواليّا كويس، وكل حاجة بدأت تبان غير طبيعية. الألوان كانت مختلفة، الأصوات كانت متقطعة، والحاجات اللي كنت فاكرها ثابتة فجأة بقت ضبابية.

بدأت أسترجع تفاصيل تانية، اللي ضحكنا فيها، اللي اتكلمنا فيها، وحتى الإحساس بالضياع والخوف، وكلها بدأت تتجمع في دماغي بشكل غير منطقي. شعرت بالارتباك الشديد، بس في نفس الوقت ارتاحت شوية، لحد ما فهمت فجأة الحقيقة اللي قلبت كل المشاعر حواليّا: كل اللي حصل قبل الفرح كان مجرد حلم، حلم دماغي خلق

مواقف كلها توتر وخوف وقلق، ومفيش أي حاجة منها حقيقية.

اتنفسِت بعمق، حسيت بارتياح ما حصلش قبل كده، كأن جبل من الضغط اترفع عن صدري. بدأت أبص حواليا على حياتي الواقعية: جوزي جنبنا، بنتنا ليلى نايمة في الأوضة، وكل شيء طبيعي وآمن. الدماغ ساعات بيخلق مواقف درامية جدًا، خصوصًا لما يكون الإنسان مضغوط أو خايف من المستقبل أو من يوم مهم زي فرحك. شعرت إن الضحك اللي كنت بحسه في الحلم كان مجرد انعكاس للضغط النفسي اللي كنت فيه قبل الجواز، وإن القلق والخوف اللي حسيت بيه كانوا نتيجة لعقلي وهو بيستعد ليوم مهم ومليان توقعات.

جلست وأخدت نفس طويل، وبدأت أفكر في الثلاث سنين اللي فاتوا: كل الشغل، كل البيت، كل الضحك، كل اللحظات العادية اللي كنت عايشاها مع جوزي وبنتنا. فاهمه دلوقتي إن كل شعور بالذنب أو الخوف اللي جالي من الحلم مش حقيقي، ومفيش أي حاجة حصلت في الواقع. حتى صورة جوزي الغاضب في الحلم كانت مجرد انعكاس لخوفي على علاقتنا ولخوف دماغي من فقدان الثقة، مش حقيقة.

بدأت أضحك على نفسي شوية، حسيت بالراحة، وفهمت درس مهم: إن دماغي ساعات بتخلق سيناريوهات مرعبة لتجهيز نفسي نفسيًا لمواقف ممكن تواجهني، وده مش معناه إن أي حاجة منهم حقيقية. وبقيت أقدر أفصل بين الواقع والخيال، وكل مرة ييجيلي إحساس بالذنب أو القلق على حاجة ما حصلتش، بحاول أفتكر: "دي مجرد لعبة دماغي، وده مش حقيقتي ولا

حقيقت حياتي."

رجعت ركزت في حياتي الحقيقية، في جوزي اللي جنبي، وفي ليلى اللي نايمة في حضني، وحسيت بالامتنان الشديد إني معاهم وبأمان. اليوم ده علمني أقدر أعيش اللحظة، وأستمتع بالحياة من غير ما أي فكرة أو حلم يخوفني أو يخليني أشك في نفسي أو في الناس اللي بحبهم. وعرفت إن كل مرة أحس فيها بالقلق أو الخوف، أدي لنفسي فرصة أفكر وأراجع، وأعرف الحقيقة قبل ما أسمح لأي شعور بالشك أو الخوف يسيطر عليا.

وبعد اليوم ده، بقيت أستمتع بكل لحظة، وكل ضحكة، وكل حاجة طبيعية بتحصل في حياتي، وحسيت بالسلام الحقيقي لأول مرة من كتير، عرفت إن الحلم ممكن يكون قوي جدًا، لكنه مش الحقيقة، والحقيقة دايمًا قدامي، ومع جوزي وبنتنا، وكل حاجة تمام وآمنة.

القصة الثانية 
بكى الطفل ثلاثة أيام متتالية وكاد لا ينام. طمأن الأطباء والديه بأن الأمر مجرد مغصٍ طبيعي لدى الرضّع، ووصفوا له بعض الأدوية، لكن البكاء لم يتوقف.

تغيّر كل شيء عندما لاحظ الأب بالصدفة تفصيلًا غريبًا في ساق طفله. واليوم يحذّر الآباء الآخرين من ضرورة الانتباه وعدم تجاهل مثل هذه الأمور الصغيرة.

كان الزوجان يعيشان دائمًا بحذر، يخططان لكل شيء مسبقًا. وعندما علما أنهما ينتظران مولودًا، بدآ الاستعداد فورًا. قرآ الكتب، وحضرا الدورات، واشتريا كل ما يلزم وفق قوائم دقيقة. في شقتهما أغطيا مقابس الكهرباء، وحميا الزوايا الحادة، وأزالا

كل ما هو غير ضروري. كانا يعتقدان أن ذلك سيحمي طفلهما من أي خطر.

وُلد الطفل هادئًا. كان ينام جيدًا، ونادرًا ما يبكي، ويهدأ بسرعة. مرّت الأشهر الأولى دون صعوبات تُذكر، وبدأ الوالدان يظنان أنهما كانا محظوظين فحسب.

لكن في إحدى الليالي تغيّر كل شيء.

في البداية بدأ الطفل يئنّ بهدوء. وبعد ساعات ارتفع بكاؤه، ومع حلول الليل تحوّل إلى صراخ متواصل. لم يكن يهدأ لا في حضن والديه ولا في سريره. كان جسده يتصلّب، ووجهه يحمرّ، وتنفسه يصبح غير منتظم.

حمله الأب وراح يمشي به في أرجاء الغرفة محاولًا تهدئته. أما الأم ففحصت كل ما يخطر ببالها. كان الطفل قد رضع، وحُفاضه نظيف، ولفّته بغطاء إضافي. كانت الشقة دافئة، ومع ذلك استمر البكاء.

في تلك الليلة توجّه الوالدان إلى عيادة الطوارئ. فحص الأطباء الطفل، واطمأنوا إلى علاماته الحيوية، وأكدوا أنه مغصٌ عادي شائع لدى الرضّع. أوصوا ببعض القطرات والتدليك وأعادوا العائلة إلى المنزل.

وثق الوالدان بكلام الأطباء.

خلال اليومين التاليين، كاد الطفل لا ينام. لم يتوقف البكاء ليلًا أو نهارًا. كان الوالدان يتناوبان على حمله والتجول به في الشقة، لكن دون جدوى. تراكم الإرهاق، وازداد القلق.

في الليلة الثالثة، أرسل الأب زوجته لترتاح وبقي وحده مع الطفل. ثبّت حمالة الطفل على صدره، وراح يسير ببطء من غرفة إلى أخرى محاولًا ألا يتوقف. ومع مرور الوقت،

خفّ الصراخ وتحول إلى تنفسٍ ثقيل.

تم نسخ الرابط