اهلي باعوني لراجل عجوز

لمحة نيوز

اللي خدها زمان كانت مقابل خدمة مؤقتة مش ملكية أبدية وكلارا حاولت تدعي إنهم ربوني وضحوا عشاني لكن الورق كان أقوى من أي تمثيل والبلدة اللي كانت بتغمض عينيها بدأت تهمس بحقيقة مختلفة أنا ما كنتش عبء أنا كنت سر وكنت ثروة وكنت بنت اتخبت عشان تعيش وفي لحظة مواجهة أخيرة بصيت لهم من غير خوف وقلت بهدوء إن اللي عملوه هيتحاسبوا عليه بالقانون مش انتقام لكن عدل ورجعت المزرعة ووقفت في الأرض الواسعة تحت شمس الغروب حاسة لأول مرة إن نفسي مش تقيل إن اسمي مش شتيمة إن سبعتاشر سنة من الكدب انتهت بظرف اتحط على ترابيزة ظرف كشف إن البنت اللي اتباعت بشوية فكة كانت في الحقيقة صاحبة المكان كله وإن أقسى حاجة مش إنهم باعوني لكن إنهم خلوني أصدق إني ما استاهلش غير كده والحقيقة لما ظهرت ما دمرتش بس كدبتهم دمرت الكذبة اللي كنت مصدقاها عن نفسي ومن يومها وأنا بكتب اسمي الجديد على كل ورقة ماريا مونتيرو وبفتكر إن أوقات كتير النجاة بتيجي في شكل صفقة باينة خاسرة لكنها في الحقيقة بداية حكاية عمرها ما كانت تخص غيري أنا.
رجوعي للمزرعة ماكانش نهاية الحكاية كان أول صفحة بجد في حياتي لأن الحقيقة لما بتطلع للنور مش بس بتكشف الماضي دي كمان بتجبرك تواجهه وأنا كنت قدام جبل من سنين ضايعة غضب متراكم وأسئلة ملهاش عدد كنت كل ليلة أطلع على التلة اللي ورا البيت وأبص على أضواء البلدة البعيدة وأفتكر البنت اللي كانت بتمشي مطأطية راسها عشان محدش يشوف دموعها وأسأل نفسي لو
كنت عرفت من بدري كنت هبقى حد تاني ولا الألم هو اللي صنعني بالشكل ده دون رامون ماكانش بيتدخل كتير كان سايب لي مساحة أتعلم وأغلط وأقوم كان دايما يقول إن القوة الحقيقية مش في الفلوس ولا الأرض القوة في إنك تعرفي إنتي مين وتصدقيه وأنا كنت لسه بتعلم أصدق إني أستاهل بدأت أراجع حسابات المزرعة عقود قديمة أراضي متأجرة بأبخس تمن لناس استغلوا غياب صاحبها الحقيقي عمال اتعودوا ياخدوا أوامر من غير ما حد يسمع رأيهم نظام قديم كله خوف ومصالح حسيت إني شايفة نسخة مكبرة من البيت اللي اتربيت فيه نفس فكرة السيطرة ونفس الصمت وقررت إن لو دي أرضي فعلا فلازم تبقى مختلفة بدأت أقابل العمال واحد واحد أسمع حكاياتهم مشاكلهم أحلامهم في الأول كانوا بيبصولي باستغراب بنت لسه مكملة سبعتاشر جاية تقولهم هنغير الدنيا بس مع الوقت لما لقوني بسمع بجد وبنفذ وعودي الثقة بدأت تكبر رفعنا الأجور شوية نظمنا الشغل جبت مهندس زراعي يعلمنا طرق حديثة توفر مجهود وتزود الإنتاج وكنت كل يوم بصحى بدري قبل الكل أمشي وسط الشجر وأحس إن الجذور اللي تحت رجلي بتفكرني إن أي حاجة قوية بتبدأ صغيرة ومستخبية تحت التراب لكن الماضي ماكانش ناوي يسيبني بسهولة الأخبار في البلدة انتشرت إن ماريا رجعت وغنية وفي يوم لقيت عربية إرنستو واقفة قدام بوابة المزرعة قلبي خبط بقوة مش من خوف المرة دي لكن من مواجهة نزل هو وكلارا ووشهم عامل خليط غريب بين الذل والطمع طلبوا يقابلوني دخلوا المكتب اللي بقى
مكتبي نفس الترابيزة اللي أول مرة قعدت قدامها وأنا بفتح الوصية بس المرة دي أنا اللي ورا المكتب حاولوا يتكلموا بنبرة حنينة مصطنعة قالوا إنهم غلطوا إن الظروف كانت صعبة إنهم ربوني ومن حقي عليهم البر كنت سامعاهم وكأني بسمع صدى بعيد الكلمات اللي كانت زمان بتكسرني بقت دلوقتي ضعيفة سألتهم سؤال واحد لو ماكانش في ظرف ولا وصية كنتوا هتيجوا تدوروا عليا الصمت اللي نزل بعدها كان أبلغ من أي إجابة إرنستو حاول يقلب الموضوع لتهديد مبطن قال إن الناس في البلدة ممكن تتكلم ابتسمت لأول مرة ابتسامة ثابتة وقلت له إن الحقيقة اتقالت قدام الكل والورق موجود وإن أي محاولة ابتزاز هتكون آخر غلطة يعملها مشيتهم من غير صريخ ولا انتقام بس بحدود واضحة ولما الباب اتقفل وراهم حسيت بحاجة بتتفك جوايا مش بس قيودهم قيودي أنا كمان لكن المواجهة الأكبر كانت مع نفسي مع البنت اللي كانت مصدقة إنها عبء كنت ساعات أقف قدام المراية وأسأل هل أنا قوية فعلا ولا مجرد محظوظة هل لو ماكنتش وريثة كنت هعرف أهرب من الجحيم الإجابة كانت بتتكون ببطء القوة مش في اللي ورثته القوة في إني رغم كل حاجة ما بقيتش نسخة منهم ما استخدمت السلطة عشان أذل ولا الفلوس عشان أشتري سكوت حد ومع مرور الوقت قررت أفتح جزء من المزرعة كمكان لتعليم البنات في البلدة مهارات القراءة والحساب والزراعة الحديثة فاكرة نفسي وأنا بدور على كتاب في الزبالة وقلت مستحيل بنت تانية تحس إنها ملهاش حق تحلم المشروع بدأ صغير
أوضة قديمة رممناها وحطينا فيها مكاتب وكتب جديدة وأول يوم دخلت فيه بنت خجولة ماسكة كراسة قديمة حسيت إن الدائرة بتتقفل الألم بيتحول لفايدة وكل ما واحدة فيهم ترفع راسها وتقرأ بصوت واضح كنت بحس إن جزء من ماريا الصغيرة بيتشافى دون رامون كان بيتابع من بعيد بابتسامة فخر صامتة ولما صحته بدأت تضعف بعد سنين قال لي وهو قاعد في الشرفة بيبص على الغروب إن أكتر حاجة مطمناه إنه سلم الأمانة لحد أقوى مما كان متخيل وبعد ما مشي بسلام ساب لي مش بس أرض وثروة ساب لي وصية تانية غير مكتوبة إن العدالة مش دايما بتيجي بسرعة
بس لما بتيجي لازم نستخدمها صح والبلدة اللي كانت زمان بتغمض عينيها بقت دلوقتي تبصلي كرمز لتغيير ممكن يحصل يمكن مش كلهم بيحبوني يمكن في ناس لسه شايفة إن البنت مكانها معروف لكن أنا بقيت أعرف مكاني كويس مش في ظل حد مش في ركن مظلم مكاني في قلب الحكاية في اتخاذ القرار في اختيار الرحمة بدل القسوة وفي ليالي كتير لما أقعد لوحدي وأفتكر الترابيزة القديمة في بيت الخرسانة والفلوس وهي بتتعد ما بحسش بوجع زي زمان بحس بدهشة إزاي لحظة كانت باينة نهاية مهينة كانت في الحقيقة بداية طريق طويل علمني إن قيمتي عمرها ما كانت في عين اللي باعوني قيمتي كانت في قدرتي أصدق إن الظرف اللي اتحط قدامي ما كانش بس ورق كان باب وأنا اخترت أفتحه وأمشي ومهما كانت البداية قاسية النهاية أنا اللي بكتبها دلوقتي سطر ورا سطر باسم واحد واضح وصوت عالي وحياة أخيرا ملكي
أنا.

تم نسخ الرابط