في يوم زفافها، كانت إيما واقفة وسط القاعة المضيئة بالشموع والورود البيضاء، الفستان بيحيطها زي هالة نور، والكل شايفها عروسة مثالية، ناجحة، قوية، بنت بنت نفسها من الصفر، وماحدش يعرف إن جواها طفلة عندها تمان سنين لسه واقفة قدام باب أوضة فاضية بتستنى أبوها يرجع، إيما كارتر طول عمرها كانت مقتنعة إن في كل قصة في شرير، وفي قصتها الشرير كان أبوها مايكل، الراجل اللي اختفى في ليلة واحدة بعد ما صرخ فيها بسبب ساعة جيب قديمة وقعت من إيدها واتكسرت، الساعة اللي صوتها وهي بتقع على الأرض فضل عالق في ودانها سنين، زي حكم نهائي صدر عليها إنها السبب، من قبل الليلة دي كانت حياتهم بسيطة، أمها لورا تعبت فجأة، المستشفى بقى بيتهم التاني، الفواتير غطت ترابيزة المطبخ، وأبوها كان بيحاول يبتسم قدامها وهو بيتكسر من جوه، وبعد ما أمها ماتت الدنيا ما استنتش حزنهم، الإيجار اتأخر، البيت اتباع، أبوها اشتغل كل حاجة، مخزن، توصيل، تحميل، إيده كانت بتنزف وهو ساكت، لحد اليوم اللي سمعت فيه خبط الساعة في الأرض وشافت الرعب في عينيه، صرخ، وهي جريت أوضتها، ونامت وهي بتعيط، وصحيت على صمت، لا صوت مفاتيح، لا راديو، لا نفس أبوها في المطبخ،
اختفى، ومن ساعتها وهي شايلة جملة واحدة في قلبها: سابني، كبرت وهي بتذاكر أكتر من أي حد، بتشتغل بعد الجامعة، بتاخد منح، بتبني مستقبل كأنها بتثبت حاجة لحد مش موجود، ولما قابلت رايان وحبته وعدت نفسها إن يوم فرحها هيكون بداية جديدة، يوم مفيهوش ماضي، يوم كامل مثالي، لكن وهي واقفة بتضحك مع صاحباتها شافت باب القاعة بيتفتح بهدوء، ورجل هدومه مقطعة ووشه مرهق دخل بخطوات مترددة، الضيوف همسوا، الأمن بصوا لبعض، لكن هو ما شافش حد غيرها، قرب، وصوته خرج مبحوح “إيما… لو تسمحي… حضن واحد بس”، قلبها خبط جامد، كانت عارفة، رغم السنين والملامح اللي الزمن غيرها، “إنت مين؟” قالتها بقسوة وهي بتحاول تمحي الإحساس، قال “أنا أبوك”، الكلمة وقعت عليها زي صفعة، الغضب اللي خبته سنين طلع مرة واحدة، “طلّعوه بره!” صرخت، والأمن مسكوه، وهو ما قاومش، بس بص لها وقال “ما مشيتش عشان بطلت أحبك… مشيت عشان كنت بحبك زيادة”، وهي كانت هتلف وشها لولا ورقة وقعت من جيبه، اتحنت وأخدتها، إيديها بتترعش، فتحتها، الخط كان مهزوز لكنه واضح، بيحكي إن الساعة اللي اتكسرت ما كانتش ساعته، كانت ساعة مديره في المخزن، ساعة قديمة غالية، وإنه كان مستلفها
يومها عشان يصلحها وياخد مكافأة صغيرة يسدد بيها جزء من إيجار متأخر، ولما اتكسرت خاف يقول الحقيقة، خاف يخليها تشيل ذنب حاجة أكبر من سنها، تاني يوم المدير اتهمه بالسرقة والتخريب، وهدده بقضية هتتشهر في الجرائد، وهي هتتعلم في مدرسة الناس فيها ما بترحمش، فاختار يعترف بحاجة ما عملهاش عشان يخلص الموضوع بسرعة من غير فضيحة، الحكم كان قاسي، عشر سنين، كتب إنه اختار يمشي من غير وداع عشان ما تعيشش سنين طفولتها بين زيارات سجن وحراس وبصات شفقة، كتب إنه كان بيراقبها من بعيد لما يخرج بتصريح شغل، يشوفها داخلة المدرسة، يشوفها بتكبر، وإنه كان فخور بيها كل لحظة، كتب إنه لما خرج أخيرًا ما لاقاش حد يقبله، الشغل ما بيرحمش سجين سابق، الدنيا قفلت أبوابها في وشه، لكن فضل محافظ على صورة يوم فرحها في خياله، وقال لنفسه إنه حتى لو ما استاهلش يكون موجود، نفسه يشوفها عروسة ولو من بعيد، الرسالة خلصت بجملة “لو كان عندي اختيار تاني كنت أخترتك برضه، سامحيني لو تقدري”، الحروف كانت متلخبطة بدموع نشفت على الورق، عيون إيما اتملت، كل ذكرى كانت بتتفكك قدامها، صوته وهو بيضحك، إيده وهي بتمسك إيدها تعدي الشارع، تعبه اللي ما كانتش شايفاه،
الغضب اللي فهمته غلط، بصت ناحية الباب وشافته بيتسحب بره القاعة ورقبته مكسورة من الخجل، في اللحظة دي الفستان والضيوف والكاميرات بقوا تفاصيل بعيدة، جريت، نادت اسمه بصوت كسر الصمت، الأمن وقف، الناس سكتت، قربت منه وهي بتنهج، للحظة الاتنين وقفوا قدام بعض غرب عن بعض ودمهم واحد، مدت إيديها ولمسته كأنها بتتأكد إنه حقيقي، وبعدين حضنته، حضن طويل مسح عشر سنين برد، هو كان بيعتذر وهي كانت بتعيط وتقول “أنا اللي آسفة”، الضيوف اتأثروا، ورايان وقف جنبهم حاطط إيده على كتف أبوها في إشارة قبول، وفي وسط القاعة اللي كانت هتبقى مسرح لانتقام صامت بقت شاهد على غفران، إيما فهمت أخيرًا إن قصتها ما كانش فيها شرير، كان فيها أب ضحى بطريقته الغلط عشان يحميها، ويمكن الغياب جرح، لكن الحقيقة دايمًا أعمق من اللي بنشوفه، وفي نهاية اليوم، قبل ما تمشي مع عريسها، رجعت لأبوها، حطت في إيده الدعوة اللي كانت ناقصها اسمه، وقالت له بصوت ثابت “مكانك هنا… دايمًا كان هنا”، وفي اللحظة دي عرفت إن الطفلة اللي جواها أخيرًا بطلت تستنى على باب مقفول، لأن الباب اتفتح، والحب اللي افتكرته ضاع كان طول الوقت بيحارب في الضلمة عشان يفضل عايش.