بعد ما القاعة هديت شوية والناس رجعت تتنفس طبيعي، ماكانش في حد فيهم زي إيما، لأنها لأول مرة من عشر سنين حست إن في حاجة تقيلة جدًا كانت فوق صدرها واتشالت، بس في نفس الوقت ظهرت أسئلة جديدة بتوجع أكتر من الغضب القديم، لما خلص الفرح والضحك والصور، طلبت من رايان يسيبها شوية مع أبوها في أوضة جانبية ورا القاعة، كانت الأوضة صغيرة وفيها كنبة قديمة ومراية طويلة، نفس المراية اللي كانت بتظبط قدامها الطرحة من ساعة، دلوقتي واقفة قدامها مش عروسة بس، واقفة بنت بتحاول تفهم تاريخها، أبوها كان واقف بعيد شوية كأنه خايف يقرب، لسه شايل الإحساس إنه مش مرحب بيه، إيده بترتعش، عينه مش ثابتة، الزمن عمل فيه شغل قاسي، تجاعيد محفورة، كتف نازل، وصوت متقطع، إيما قعدت قدامه وقالت بهدوء موجوع "عايزة أفهم كل حاجة… من الأول خالص"، مايكل أخد نفس طويل وحكى، حكى عن اليوم اللي اتكسر فيه قلبه مش الساعة، قال إن المدير كان أصلًا مستنيه يغلط، لأن الشركة كانت عايزة تقلل عمالة من غير تعويضات، وإن الساعة كانت فرصة، ولما اتكسرت ولقاها على الأرض قدامه شاف مستقبله بيتسحب، بس أول صورة جت في دماغه كانت صورتها هي في المدرسة، شنطتها على ضهرها، ضحكتها، قال إنه لو القضية كبرت كان اسمه هيتنشر في الجرائد، وهي هتبقى "بنت الحرامي"، وإنه
ماكانش مستحمل يشوف نظرة الشفقة أو السخرية في عيون حد وهي معدية، فاختار الاعتراف عشان الموضوع يخلص بسرعة، ماكانش متخيل إن الحكم هيبقى عشر سنين، افتكرها شهور، سنة بالكتير، لكن القاضي كان قاسي، والسجل اتلوث، وحلمه إنه يرجع لها بسرعة اتدفن، إيما كانت بتسمع وكل كلمة بتخبط جوه قلبها، لأنها عمرها ما فكرت إن ممكن يكون خايف عليها أكتر من نفسه، قالت له "طب ليه ما بعتليش؟ ليه ما حاولتش تكلمني؟"، عينه لمعت بدمعة وقال "بعت… كتبت ميت جواب، بس خفت أوصلهم، خفت تفتحي ظرف عليه ختم سجن، خفت تبصيلي بنظرة مختلفة"، اعترف إنه كان بيشوفها من بعيد لما يخرج بتصاريح شغل، مرة شافها وهي بتجري في سباق المدرسة، ومرة شافها طالعة تستلم شهادة تقدير، وقال إنه فضل واقف بعيد يصفق من غير ما حد يسمعه، اللحظة دي كسرت حاجة جوه إيما، لأنها افتكرت فعلًا إنها كانت بتحس أوقات إن حد بيبص عليها، إحساس خفيف ما كانتش قادرة تفسره، بعد ساعات كلام وبكاء وعتاب، قررت حاجة ما كانتش متخيلة إنها هتعملها قبل ساعات، قالت له إنه مش هيرجع يعيش في الشارع، وإن أول خطوة هتبقى إنه يستحمى ويلبس بدلة مناسبة ويرجع معاها يكمل السهرة كأبو العروسة، في الأول رفض، حس إنه ما يستحقش، لكن هي أصرت، ورايان دخل ومعاه بدلة احتياطية من بدلة صاحبه اللي مقاسه
قريب، لبسها مايكل، حلق دقنه، ولما خرج تاني للقاعة كان شكله مختلف، لسه تعبان بس واقف مستقيم، وإيما مسكت إيده قدام الكل وقدمتُه رسميًا "ده أبويا"، الكلمة دي كانت إعلان إعادة كتابة القصة، الناس صفقت، وفي عيون كتير كان في دموع، بس الحياة مش بتتصلح في ليلة واحدة، بعد الفرح بدأت المواجهة الحقيقية، إيما راحت معاه تزور المحامي القديم اللي اشتغل في قضيته، واكتشفوا إن المدير اللي لفّق التهمة اتحقق معاه بعدها بسنين في قضايا اختلاس، وإن في موظف سابق مستعد يشهد إن مايكل كان ضحية، الطريق كان طويل عشان يمسحوا الحكم من سجله، إجراءات وأوراق وشهادات، وإيما حضرت كل جلسة جنبه، المرة دي هو اللي كان ماسك إيدها وهو داخل المحكمة، مش خوف، لكن امتنان، ومع الوقت قدروا يثبتوا إن الاعتراف كان تحت ضغط وتهديد، والحكم اتلغى رسميًا، يومها خرجوا من المحكمة وهو واقف قدام الشمس كأنه شايفها لأول مرة، قال لها "أخيرًا حاسس إني أقدر أبصلك من غير ما أوطي راسي"، وهي ضحكت وقالت "عمرك ما كان لازم توطيها"، بدأت تساعده يلاقي شغل بسيط في ورشة تصليح ساعات، مفارقة جميلة إن الحاجة اللي بدأت المأساة هي نفسها اللي رجعته للحياة، كان بيقعد بالساعات يصلح ساعات مكسورة، وكل ما يرجع عقرب يمشي يحس إنه بيرجع جزء من عمره الضايع، علاقتهم اتبنت
حتة حتة، مش بس حضن في قاعة فرح، لكن مكالمات كل يوم، فطار سوا يوم الجمعة، حكايات عن أمها، صور قديمة اتفرجوا عليها وهم بيضحكوا ويعيطوا في نفس الوقت، إيما بطلت تشوف نفسها ضحية تخلي، وبقت تشوف نفسها بنت تضحية، الفرق بينهم كبير، لأنها لما كانت فاكرة إنه سابها كانت شايلة جرح رفض، لكن لما فهمت إنه ضحى عشانها شالت جرح سوء فهم، والجرح ده بيتعالج بالحب مش بالغضب، بعد سنة من الفرح، لما عرفت إنها حامل، أول حد اتصلت بيه كان أبوها، صوته اتكسر من الفرحة، وقال لها "هعوض اللي فات مع حفيدي"، ولما شال الطفل لأول مرة كانت إيده ثابتة، عينه مليانة نور، وإيما واقفة قصاده فاكرة الليلة اللي اختفى فيها، وبتقارنها باللحظة دي، الفرق كان إن زمان الباب اتقفل من غير تفسير، دلوقتي الباب مفتوح، وفي كلام، وفي شجاعة نعترف بالحقيقة حتى لو موجعة، وإيما اتعلمت إن أوقات كتير بنحكم على القصة من فصل واحد، وننسى إن في فصول مستخبية ما اتقرتش، وإن أحيانًا اللي بنسميه هروب بيكون تضحية، واللي بنسميه نهاية بيكون مجرد بداية متأخرة، وفي كل مرة كانت تبص لأبوها وهو بيلعب مع ابنها كانت تبتسم وتفتكر إن الحب الحقيقي مش دايمًا مثالي، لكنه أحيانًا بيمشي في طرق صعبة عشان يوصل، وحتى لو اتأخر عشر سنين، عمره ما بيبطل يدور على طريق الرجوع.