سر ابنتي

لمحة نيوز

الزمن رجع، هل كنت هعمل نفس اللي عملته؟ الحقيقة إني ما ندمتش على تعبي، لكن ندمت إني طول عمري كنت فاكرة إن الحب لازم يتشرى بالتضحية، بدأت أركز في شغلي الجديد، اجتماعات، توقيعات، سفر، وتعلمت بسرعة إن الفلوس الكبيرة مش بس رفاهية، دي مسؤولية وضغط وعيون كتير مترقبة، كنت بدخل قاعات المؤتمرات بثبات، أتكلم بثقة، وأرجع البيت بالليل أفتكر نفسي القديمة وأبتسم، وفي يوم وأنا خارجة من اجتماع مهم لقيت رسالة من رقم غريب، فتحتها لقيت صورة لأمي قاعدة قدام البيت القديم بعد ما اتحطت عليه لافتة للبيع، وشها كان باين عليه تعب سنين، ومع الرسالة جملة قصيرة: “أنا آسفة”، فضلت باصة للكلمة دي وقت طويل، كلمة كنت مستنياها سنين، لكنها لما جت ما هزتش قلبي زي ما توقعت، يمكن لأني كنت شفيت خلاص، يمكن لأني اتعلمت إن الاعتذار مش دايمًا بيرجع اللي اتكسر، بعدها بأيام ميا كلمتني، صوتها كان واطي ومش واثق زي زمان، قالتلي إنها بدأت تشتغل في كافيه عشان تسدد جزء من الديون، وإنها أول مرة تحس بتعب الشغل الحقيقي، سألتني بهدوء

“هو أنا كنت وحشة أوي كده؟”، السؤال ده وجعني أكتر من أي حاجة، لأني فهمت إنها اتربت على فكرة إن غيرها يشيل عنها، مش لأنها شريرة لكن لأنها اتعودت، قلتلها إن الحياة لسه قدامها وإن أهم درس تتعلمه إن محدش مدين لها بحلمه، بعد المكالمة فضلت قاعدة لوحدي أفكر، النجاح الحقيقي مش إنك تكسب ملايين، النجاح إنك تفضل إنسان، فقررت أزور المستشفى اللي كنت بشتغل فيها زمان، دخلت بهدوء من غير ما أعلن عن اسمي الجديد، شفت الممرضات الصغيرين اللي شبه صورتي القديمة، التعب في عيونهم والطموح اللي لسه مولع، ساعتها قررت أعمل حاجة أكبر من مجرد تبرع، أسست برنامج دعم كامل للطلاب العاملين في المجال الطبي، منح، سكن، دعم نفسي، وكنت بحضر أول اجتماع معاهم بنفسي وأحكيلهم قصتي من غير ما أذكر أسماء، أقولهم إن أوقات أكتر لحظة بتكسرك هي اللي بتبنيك، وفي أول سنة للبرنامج واحدة من البنات وقفت قدامي وقالتلي “حضرتك أنقذتي حياتي”، ساعتها دموعي نزلت، لأني حسيت إن كل وجع عشته اتحول لقيمة حقيقية، في نفس الوقت كانت أخبار أمي وميا
بتوصلني من بعيد، البيت اتباع فعلًا، نقلوا لشقة أصغر، وأمي بدأت تشتغل في حضانة أطفال بعد سنين قعدة في البيت، يمكن لأول مرة تحس بمعنى التعب اللي كنت بحكي عنه، وفي يوم فجأة لقيتهم واقفين قدام باب بيتي الجديد، البواب كلمني وقال في ست وبنت عايزين يقابلوكي، نزلت لهم، أمي كانت أصغر في عيني من أي وقت فات، مكسورة بس مش متكبرة، قالتلي إنها ما جتش عشان فلوس ولا مساعدة، جت عشان تقول إنها فهمت متأخر، وإنها طول عمرها كانت خايفة من الفقر فتمسكت بأي حد يجيب أمان حتى لو ظلمته، كلامها ما مسحش اللي فات لكنه خلاني أشوف الصورة كاملة، إحنا كلنا ضحايا خوفنا بطرق مختلفة، قعدنا ساعات نتكلم، مافيش صراخ، مافيش دموع هستيرية، بس كلام صريح، قلتلهم إني مش هرجع الماضي ولا هرجع أعيش نفس الدور، لكن مش هقفل الباب في وشهم، سامحتهم لنفسي قبل ما يكون ليهم، لأن الغضب كان تقيل على قلبي أكتر من أي حاجة، ومن يومها بقينا بنتقابل على فترات، حدود واضحة، احترام متبادل، مافيش فلوس بتتنقل غير في إطار واضح وشفاف، وميا كملت شغلها
وبدأت تعتمد على نفسها فعلًا، وبعد سنتين رجعت درست من تاني بمنحة اشتغلت عشان تجيبها بنفسها، وأنا كنت بحضر تخرجها من بعيد وأفتكر يوم ما خرجت من البيت بكيس زبالة في إيدي، قد إيه المسافة بين اللحظتين كانت مليانة دموع وتعب وقرارات صعبة، وفي ليلة هادية وأنا راجعة بعربيتي بعد يوم طويل، عدّيت صدفة قدام البيت القديم، وقفت لحظة وبصيت له، ما حسيتش بوجع، حسيت بامتنان، لأن المكان ده رغم قسوته كان الشرارة اللي خلتني أواجه نفسي وأعرف قيمتي، يمكن لو ما كنتش اترميت يومها ما كنتش هكتشف قوتي ولا حقي ولا صوتي، فهمت إن بعض الناس بييجوا في حياتك عشان يعلموك درس حتى لو كان الدرس قاسي، وإن أقوى انتصار مش إنك تبهر اللي ظلموك، لكن إنك تعيش مرتاح من غير ما تحتاج تصفي حساب، ولما سألت نفسي تاني لو الزمن رجع هل هعمل نفس اللي عملته، ابتسمت وقلت أيوه، لأني أخيرًا بقيت أعرف إن قيمتي ما كانتش في اللي كنت بقدمه للناس، قيمتي كانت في نفسي، وإن اللي يتطرد من مكان ظلم مش خسران، يمكن يكون أخد أول خطوة في طريق النجاة.

تم نسخ الرابط