لما بدأنا المشروع الصغير في ركن في شقتنا، كنت أنا اللي بسهر أرسم التصاميم، وأنا اللي بختار الخامات، وأنا اللي بتابع العمال، وأنا اللي بلف على المعارض أشوف أحدث الموديلات وأرجع أعدل وأطور، ومحمود كان هو "الواجهة"، البدلة المكوية، والابتسامة الواسعة، والكلام المعسول اللي يعرف يدخل أي عميل في جيبه، وكان دايمًا يقول لي وهو ماسك إيدي: "يا هدى، أنا وإنتي واحد، اسمي هو اسمك، ونجاحي هو نجاحك.. المهم الشغل يكبر." وكنت أصدقه، أصدقه وأنا ببيع دهبي عشان نشتري أول ماكينة CNC، وأصدقه وأنا بولد ابني قيصري وأرجع بعد أسبوعين بس أقعد على المكتب أرسم عشان نسلم شغلية في معادها، وأصدقه وأنا بسيب اسمي يتشال من أول عقد شراكة بحجة "الإجراءات أسرع كده"، وأقول عادي، إحنا واحد، المهم الحلم يكبر، وكبر الحلم فعلًا، وبقينا أصحاب أكبر شركة ديكور وتصنيع أثاث في المنطقة، اسم "محمود الشافعي" بقى بيتكتب على يافطات ضخمة، وبيطلع في مجلات، وبيتصور جنب مشاهير، وأنا دايمًا في الخلفية، أراجع المخططات، أعدل المقاسات، أختار درجات القشرة الطبيعية، وأصحح أخطاء المهندسين الجدد، ولما سألته مرة ليه اسمي مش ظاهر، ضحك وقال: "الجواهر الحقيقية ما تتحطش في الفاترينة"، فابتسمت وسكت، لحد ما جه يوم التكريم، يوم "جائزة أفضل مصمم ومبدع لعام 2026"، اليوم اللي كنت مستنياه يمكن مش عشان الدرع، لكن عشان كلمة حق قدام الناس، كنت واقفة ورا الكواليس لابسة أجمل فستان عندي، ماسكة شنطتي بإيد بترتعش من الفرح، مستنية اللحظة اللي محمود هيطلع فيها على المسرح ويقول: "الفضل كله لزوجتي وشريكتي هدى"، وطلع محمود، والأضواء كلها عليه، ومسك الميكروفون بثقة غريبة، وبص ناحية الصفوف الأولى بابتسامة عريضة وقال: "النجاح ده مكنش ممكن
يكمل لولا وجود شريكة كفاحي الحقيقية.. اللي سهرت معايا، وشجعتني لما كنت بقع، وكانت هي الملهمة لكل تصميم شفتوه النهاردة"، قلبي دق بسرعة، خطوة واحدة بس وكنت هطلع، لكن الصدمة نزلت عليّ زي صاعقة لما قال: "برحب بمديرة مكتبي وشريكتي في النجاح ده.. الأستاذة نرمين! اتفضلي يا نرمين استلمي الجائزة دي معايا، لأنها حقك قبل ما تكون حقي"، وشفت نرمين طالعة بفستان أحمر، ضحكتها واسعة، وكأنها كانت عارفة، سلمت عليه بحرارة، مسكوا الدرع سوا، والعدسات بتلمع، وحد سأله: "هل نرمين هي صاحبة فكرة كرسي العرش اللي كسب الجائزة؟" فرد وهو بيضغط على إيدها: "طبعًا، نرمين عندها رؤية فنية سابقة عصرها، هي اللي رسمت الخطوط الأولى، وأنا مجرد نفذت عبقريتها"، والدنيا اسودت، لأن الرسمة دي أنا اللي قعدت فيها أسبوعين من غير نوم، وأنا اللي جربت خمس نماذج مصغرة عشان أوصل للزاوية المثالية، ونرمين كانت واقفة تصورني بالموبايل وهي بتجيب القهوة وتقول: "تسلم إيدك يا مدام هدى"، خرجت من القاعة وأنا مش شايفة قدامي، والهواء البارد على وشي كان أرحم من كلمة واحدة سمعته بيقولها، روحت البيت وبعد ساعة دخل وهو بيغني، الدرع في إيده، أول ما شافني اتغير، قلت له: "سرقت مجهود سنين واديته لواحدة تانية قدام الناس كلها ليه؟" فرد ببرود: "عشان نرمين واجهة تشرف، ست تعرف تلبس وتتكلم وتجذب العملاء، لكن إنتي آخرك الورشة"، ولما قلت له والتصاميم؟ ضحك وقال: "دوري على ورقة واحدة عليها إمضاءك، كل حاجة باسمي وباسم نرمين كمساعدة فنية، إنتي مجرد زوجة"، وهددني إنه بلغ السوق كله إني هاوية وخسرت الشركة، وإن بكرة ألم هدومي وأمشي، وسابني ورزع الباب، وفي اللحظة دي بدل ما أنهار، سكت، سكت لأول مرة من غير دموع، لأن دموعي خلصت، لكن عقلي اشتغل،
قعدت طول الليل أفتح اللابتوب القديم اللي محدش يعرف الباسورد بتاعه غيري، اللابتوب اللي عليه كل المراحل الأولى للتصاميم، كل التعديلات بالتاريخ والساعة، كل الإيميلات اللي كنت ببعتها لنفسي عشان أحفظ حقوقي، كل ملفات الـAutoCAD والـ3D Max بأسمائي المختصرة اللي كنت بحطها في طبقات مخفية، افتكرت إني من أول ما بدأنا كنت بخاف، مش منه، لكن من الزمن، فكنت بأرشف كل حاجة، حتى الفواتير الأولى لما اشتريت الأخشاب من فلوسي، حتى إيصالات التحويل من حسابي الشخصي لحساب الشركة، وحتى الرسائل الصوتية اللي كان بيبعتها لي يقول فيها: "عدليلي زاوية المسند يا هدى عشان العميل مستعجل"، قعدت أرتب كل ده، وطبعته، وحطيته في ملف كبير، ومع أول ضوء للشمس ما مشيتش بيت أهلي، لا، رحت على مكتب محامي شاطر، حطيت قدامه الملف، سكت وهو بيقلب في الورق، وبعدين رفع عينه وقال: "إنتي مش جاية تشتكي، إنتي جاية تاخدي حقك كامل"، وفي أسبوع واحد بس اتقدمت بدعوى إثبات شراكة فعلية وملكية فكرية للتصاميم، وبعتنا إنذار رسمي للشركة بوقف استخدام تصميم "كرسي العرش" لحين الفصل في الملكية، والإعلام اللي كان بيجري ورا محمود عشان صوره مع الدرع، بدأ يجري ورا الخبر الجديد: زوجة تكشف سر مصمم العام، وفي جلسة مستعجلة قدمنا النسخ الأصلية من الملفات بتاريخ سابق لتعيين نرمين، وقدمنا فيديوهات من كاميرات الورشة وأنا بشرح للعمال تفاصيل التنفيذ، وقدمنا شهادة ثلاثة مهندسين قدام المحكمة إنهم كانوا بيتلقوا التعليمات مني مباشرة، والمفاجأة الأكبر كانت لما خبير تقني أثبت إن الصور اللي ادعت نرمين إنها "الخطوط الأولى" متصورة من شاشة جهازي أنا، وبالوقت والتاريخ، وبدأت الصورة قدام الناس تتشقلب، العملاء اتوتروا، بعضهم وقف تعاقدات جديدة لحد
ما تتضح الحقيقة، الموردين اللي كان مبلغهم إني هاوية، بعتوا يعتذروا لما وصلهم إنذار قضائي يحذر من التشهير، ومحمود اللي كان واثق إن السوق سوقه، بدأ يحس الأرض بتهتز تحت رجليه، وفي الجلسة الفاصلة حكمت المحكمة بإثبات حقي في نسبة 50% من الشركة كشراكة فعلية قائمة على المساهمة المادية والفنية، وأثبتت ملكيتي الفكرية لتصميم "كرسي العرش" وكل ما يثبت نسبته لي، وألزمت الشركة بذكر اسمي كمصممة رئيسية في كل المواد الدعائية المتعلقة به، وبطلان أي تسجيل سابق يخالف ذلك، وخرجت من المحكمة مش عشان كسبت فلوس أو نسبة، لكن عشان اسمي اتقال بصوت عالي قدام الكل: هدى الشافعي مصممة ومؤسسة، وفي نفس الأسبوع أعلنت بيان رسمي إني بانفصل إداريًا عن محمود، وإنني سأدير حصتي بشكل مستقل تحت اسم جديد، وافتتحت أستوديو خاص بيا، يمكن أصغر من الإمبراطورية اللي ساهمت في بنائها، لكنه باسمي أنا، على بابه لوحة مكتوب عليها "تصميم هدى"، من غير واجهات مزيفة، ولا شريكات وهميات، ومحمود حاول يتواصل، مرة يهدد، ومرة يعتذر، ومرة يلوم نرمين، لكن أنا كنت خلاص فهمت إن أقسى خيانة مش إنه نسب شغلي لغيري، لكن إنه حاول يقنعني إني ولا حاجة، والحقيقة إن اللي يقدر يبني من ركن في شقة، ويحول حلم لفكرة، وفكرة لشركة، يقدر يبني من جديد ألف مرة، والفرق المرة دي إن اسمي مش هيتشال من على أي ورقة، ومش هستخبى ورا كواليس، لأن الرسامة اللي طلعت حد للسما، لما تقرر تطلع هي، محدش يقدر يمنعها، ومن يومها وأنا لما أمسك قلم وأرسم، ما برسمش كرسي عرش لحد تاني، أنا برسم عرشي أنا.
بعد افتتاح أستوديو "تصميم هدى" بأسبوعين بس، بدأت أحس إن المعركة الحقيقية لسه ما بدأتش، لأن النجاح مش مجرد حكم محكمة أو خبر في جريدة، النجاح امتحان