سرقة حلم بقلم أماني السيد
صبر طويل، وامتحاني كان أصعب مما توقعت، أول شهر تقريبًا ما دخلش عليّ غير مشروعين صغيرين، شقة متواضعة لعرسان جداد، وكافيه على قدّه في شارع جانبي، ناس كتير كانت بتكلمني بحماس في الأول، أول ما يعرفوا إن في قضية بيني وبين محمود يترددوا، بعضهم كان صريح ويقولي: "إحنا مش عايزين مشاكل"، وبعضهم يختفي فجأة، وكنت كل ليلة أقعد في الأستوديو لوحدي بعد ما الموظفين يمشوا، أبص على الحيطة اللي علّقت عليها أول نسخة مطبوعة من حكم المحكمة بإثبات ملكيتي، وأسأل نفسي: هو أنا عملت الصح؟ كان ممكن أقبل بالظل وأعيش مرتاحة ماديًا بدل ما أبدأ من الصفر، لكن كل ما السؤال ده ييجي، كنت أفتكر الليلة اللي وقفت فيها ورا الكواليس مستنية اسمي يتقال وما اتقالش، وأرجع أقول لنفسي: لأ، حتى لو دفعت تمن، التمن ده أقل بكتير من إني أعيش طول عمري نسخة باهتة من نفسي.
في نفس الوقت كانت أخبار شركة محمود بقت مش مستقرة، بعد الحكم بقى ملزم يكتب اسمي على أي مادة دعائية تخص "كرسي العرش"، وده جننه، لأنه كان عايز يمحي أثري تمامًا، لكن كل إعلان جديد كان لازم ينزل فيه سطر صغير تحت الصورة: "التصميم الأصلي: هدى الشافعي"، والسطر الصغير ده كان كافي يهز صورته قدام ناس كتير، خصوصًا لما بعض الصحفيين بدأوا يربطوا بين الحكم وبين تصريحاته القديمة في حفل الجائزة، وبدأ السؤال يتكرر: مين فعلاً العقل المدبر وراء تصاميم الشركة؟ نرمين حاولت تظهر في لقاءات تانية وتتكلم بثقة عن "فلسفتها في التصميم"، لكن في مرة اتسألت سؤال تقني بسيط عن فرق التحمل
أما أنا، فاخترت أشتغل بصمت، ركزت في المشروعين الصغيرين كأنهم فيلا بملايين، سهرت مع العرسان أختار معاهم أدق التفاصيل، واشتغلت بإيدي مع الصنايعية في الكافيه عشان أطلع إحساس دافي يميز المكان، ولما اتفتح الكافيه، صاحبه نشر صور على السوشيال ميديا وكتب: "أول مرة أتعامل مع مصممة بتحس بالمكان قبل ما ترسمه"، والجملة دي جابت لي تلات مشاريع ورا بعض، واحد منهم كان مفاجأة عمري: فيلا كبيرة لواحد من كبار رجال الأعمال اللي كان عميل قديم لشركة محمود، الراجل طلب يقابلني شخصيًا، دخلت عليه وأنا متوترة، لكنه ابتسم وقال: "أنا كنت عارف من زمان إن ورا محمود حد شاطر، لأن التفاصيل الدقيقة عمرها ما كانت شبهه"، واعترف إنه تابع القضية من بعيد، وإنه اختار يشتغل معايا لأن اللي يدافع عن حقه بالشكل ده، أكيد هيدافع عن حق عميله في كل تفصيلة.
المشروع ده كان نقطة تحول، اشتغلت عليه بحب مش عشان أثبت حاجة لمحمود، لكن عشان أثبت لنفسي إني أقدر، وفعلاً النتيجة كانت مختلفة، تصميم جريء لكن دافي، عصري لكن فيه روح، ولما اتصورت الفيلا واتنشرت في مجلة ديكور معروفة، المرة دي كان اسمي في العنوان الرئيسي، مش في سطر صغير، وبدأت الطلبات تزيد، وأستوديو "تصميم هدى" بقى له فريق أكبر، مهندسين شباب بييجوا يتعلموا، وكنت حريصة أقول قدامهم دايمًا: "الفكرة لو ما اتحفظتش بحقها، بتتسرق، فخلي
في يوم من الأيام، بعد حوالي سنة من ليلة الجائزة، وصلني ظرف رسمي، دعوة لحضور نفس الحفل السنوي، لكن المرة دي باسمي أنا كمرشحة لجائزة "أفضل رؤية تصميمية مستقلة"، ضحكت وأنا بقرأ الدعوة، لأن الحياة بتحب تلف وترجع لنفس النقطة بس بإحساس مختلف، وقررت أروح، مش عشان الجائزة، لكن عشان أقفل دايرة مفتوحة من جوايا، دخلت القاعة المرة دي من الباب الأمامي، مش من الكواليس، لابسة فستان بسيط لكنه أنيق، وكنت ماشية وراسي مرفوعة، وشفت محمود على بعد خطوات، شكله كان مختلف، مش بالضرورة أضعف، لكن أقل بريقًا، شركته ما انهارتش، لكنها فقدت جزء كبير من هيبتها، ونرمين كانت جنبه، لكن المسافة بينهم كانت واضحة، سلم عليّ ببرود مصطنع وقال: "مبروك الترشيح"، رديت بهدوء: "الشغل هو اللي يستاهل التهنئة".
ولما جه وقت إعلان الجائزة، سمعت اسمي يتقال بوضوح قدام القاعة كلها: "الفائزة بجائزة أفضل رؤية تصميمية مستقلة لعام 2027… هدى الشافعي"، في اللحظة دي ما حسّتش بانتقام، ولا بشماتة، حسّيت بس براحة عميقة، طلعت على المسرح، الأضواء عليّ، نفس المكان اللي وقفت فيه السنة اللي فاتت مكسورة، لكن المرة دي واقفة بثبات، مسكت الميكروفون وقلت: "في ناس بتفتكر إن النجاح واجهة، وإن الكاميرات هي اللي بتصنع المبدع، بس الحقيقة إن الإبداع بيتولد في ساعات الوحدة، في السهر، في الشغل اللي محدش بيشوفه، يمكن اسمي اتنسى مرة، لكن ما فيش مجهود صادق بيروح، حتى لو اتأخر،
بعد الحفل بأيام، محمود حاول يتواصل معايا تاني، المرة دي بصيغة مختلفة، عرض شراكة جديدة "بشروط عادلة" على حد تعبيره، قال إن السوق محتاج اسمينا سوا، وإن الماضي صفحة واتقفلت، سمعت كلامه كله بهدوء، وبعدين قلت له: "أنا ما بكرهكش يا محمود، لكن أنا كبرت عن إني أرجع لنقطة كنت فيها ظل"، وسكت شوية وكملت: "الشراكة مش ورق بيتكتب، الشراكة ثقة، وإنت كسرتها مرة، وأنا عمري ما هبني مستقبلي على حاجة اتكسرت"، وما رجعتش أبص ورايا.
كبر الأستوديو، وفتحنا فرع تاني، وبدأت أشتغل على خط أثاث باسمي يتصدر للأسواق برا البلد، وبقيت أطلع في لقاءات مش عشان أتكلم عن القصة القديمة، لكن عشان أتكلم عن التصميم، عن الفلسفة، عن الشغف، ومع الوقت، قصة "الزوجة اللي اتسرق مجهودها" بقت مجرد فصل في حياتي، مش عنوانها، وأهم حاجة اتعلمتها إن أقسى حاجة ممكن حد يعملها فيك مش إنه يسرق شغلك، لكن إنه يحاول يسرق ثقتك في نفسك، ولو حافظت على الثقة دي، تقدر ترجع تبني كل حاجة تاني، أقوى وأوضح.
وفي يوم هادي في الأستوديو، كنت واقفة أبص على أول رسمة رسمتها في ركن شقتنا زمان، محتفظة بيها في إطار على الحيطة، ابتسمت وافتكرت البنت اللي كانت بتسهر تحلم من غير ما تطلب تصفيق، وقلت لها في سري: "شايفة؟ ما احتجناش حد يقول اسمنا على مسرح، عشان نعرف قيمتنا"، لأني في الآخر ما كسبتش جائزة وبس، أنا كسبت نفسي، ودي الجائزة الوحيدة اللي ما حدش يقدر