جوزي اتجوز عليا يوم فرحي

لمحة نيوز

دخلت قاعة الزفاف وهي ترتدي فستانها الأبيض الذي اختارته بعد شهور من الحلم والتخطيط وكانت صديقاتها يمسكن طرفه من الخلف بخفة وضحكاتهن تملأ المكان بينما الموسيقى تعلو والأنوار تتلألأ فوق رؤوس المدعوين وكانت تظن أن اللحظة التي انتظرتها طويلاً قد حانت أخيراً وأن يوسف سيقف بعد دقائق ممسكاً بيدها أمام الجميع ليعلنا بداية حياة جديدة لكنها ما إن اقتربت من ترابيزة المأذون حتى شعرت أن الأرض تميد تحت قدميها حين رأت بعينيها فتاة أخرى ترتدي فستان زفاف أبيض تقف مكانها وتمسك بالقلم لتوقع على عقد قرانها من يوسف نفسه للحظة ظنت أن الأمر خدعة أو مشهداً من كابوس سيئ لكن نظرات الناس المصدومة وهمساتهم المرتبكة أكدت أن ما تراه حقيقة مؤلمة وقفت جامدة لا تقوى على الحركة واسمها يضيع بين شفتيها ثم تقدمت بخطوات مهزوزة حتى وقفت أمامه وقالت بصوت مخنوق يوسف أنت بتعمل إيه فنظر إليها ببرود لم تعرفه فيه من قبل وقال زي ما أنت شايفة بتجوز وكأن الأمر عادي لا يستحق تفسيراً ولا اعتذاراً شعرت بطعنة تخترق قلبها وبدأت دموعها تنهمر دون توقف وصوتها يرتفع بين الحضور تتجوز مين أنا المفروض أبقى مكانها مش هي

أنا عملت إيه غير إني حبيتك علشان تدمرني كده أنا بسببك مش هقدر أصدق حب حد بعد كده أنت خدت مني ثقتي وأماني أنت خدت كل حاجة مني وضربته على صدره بضعف ممزوج بالقهر بينما أصدقاؤها يحاولون إبعادها عنه حتى لا تنهار أكثر تراجعت خطوة للخلف ونظرت حولها فوجدت العيون تتفحصها والهمسات تلاحقها فرفعت طرف فستانها الأبيض الذي صار ثقيلاً على قلبها وجرت خارج القاعة كأنها تهرب من حريق يلتهم روحها لحقتها شقيقتها وصال وهي تنادي باسمها لكن حوراء لم تتوقف خرجت من الفندق إلى الشارع والكحل يسيل على وجهها والناس ينظرون إليها بدهشة وشفقة ركضت حتى ابتعدت مسافة قصيرة ثم توقفت تلتقط أنفاسها بصعوبة خلعت حذاءها العالي وضربته على الأرض بعصبية وأكملت السير حافية كأنها تريد أن تشعر بألم الأرض تحت قدميها لعلها تنسى ألم قلبها وقفت وصال خلفها مرهقة تحت أنظار المارة لا تعرف كيف تواسيها ولا ماذا تقول وبعد وقت طويل عادت حوراء إلى منزلها فوجدت والدها يقف أمام الباب كأنه كان يشعر بما حدث لم تنطق بكلمة وصعدت إلى غرفتها بينما أغمض هو عينيه بحزن عميق على حال ابنته التي كان يحلم أن يراها عروساً سعيدة حاولت
وصال أن تصعد إليها فأوقفها صوت والدها قائلاً خليها لوحدها دلوقتي هزت رأسها بطاعة وتراجعت دخلت حوراء غرفتها وأغلقت الباب بالمفتاح واقتربت من السرير وجلست على الأرض تبكي بانهيار وتضع يدها على صدرها كأنها تحاول أن تمنع قلبها من التمزق وبقيت هكذا حتى غلبها التعب مع خيوط الفجر وفي صباح اليوم التالي استيقظت بعينين متورمتين ووجه شاحب ونظرت إلى المرآة طويلاً كأنها لا تعرف الفتاة التي أمامها ثم كتبت ورقة صغيرة وضعتها على التسريحة دون أن تذكر تفاصيل كثيرة فقط كلمات اعتذار وشكر وحب لعائلتها وحملت حقيبة سفر كانت قد أعدتها منذ أيام للانتقال إلى بيت زوجها لكنها الآن تحملها لتبدأ حياة أخرى لا تعلم عنها شيئاً نزلت بهدوء شديد حتى لا يراها أحد وفتحت الباب وخرجت من المنزل قبل أن يستيقظ الجميع واستوقفت سيارة أجرة وصلت بها إلى المطار دفعت للسائق أجرته ودخلت إلى الصالة الواسعة التي تضج بالمسافرين وأصوات النداءات أمسكت هاتفها بعد أن رن فرأت اسم يوسف يضيء الشاشة للحظة ترددت بين أن ترد أو تتجاهل لكنه لم يعد يملك حق سماع صوتها فأغلقت الهاتف تماماً وأخرجت شريحة الاتصال وألقتها في سلة المهملات
واتجهت إلى بوابة السفر وهي تشعر بأن قلبها مثقل بالحزن لكنه أيضاً مفعم بإصرار جديد سافرت إلى مدينة بعيدة حيث تعيش خالتها التي رحبت بها دون أسئلة كثيرة واحتضنتها بحنان الأم وأتاحت لها فرصة العمل في شركتها الصغيرة لتبدأ من جديد كانت الأيام الأولى قاسية تبكي ليلاً وتبتسم نهاراً لكن شيئاً فشيئاً بدأت تستعيد نفسها تعلمت أن الألم لا يقتل بل يعلم وأن الخذلان قد يكون بداية طريق مختلف لم تكن تتخيله مرت شهور ثم عام كامل أصبحت خلاله أقوى وأكثر نضجاً ونجحت في عملها حتى صارت شريكة أساسية في المشروع وفي إحدى المناسبات الخيرية التي نظمتها الشركة التقت برجل محترم اسمه عمر كان هادئ الطباع صادق النظرات لم يحاول اقتحام حياتها بل اقترب منها بخطوات ثابتة واحترام وحين علم بقصتها لم يشفق عليها بل أعجب بقوتها وصبرها استغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى سمحت لقلبها أن يثق مجدداً لكنها حين فعلت كان اختيارها هذه المرة مبنياً على عقل واعٍ وقلب تعلم من جراحه تقدم عمر لخطبتها رسمياً وزار والدها الذي رحب به بعد أن رأى في عينيه صدق النية وتم عقد قرانهما في حفل بسيط دافئ حضره المقربون فقط 

تم نسخ الرابط