واحد غريب بعت ٨٠٠ ألف جنيه عشان عملية ابني اللي حالته كانت ميؤوس منها ولما عرفت هو عمل كده ليه اتصدمت صدمة عمري ابني آدم عنده عشر سنين ومن وهو رضيع وأنا شايفة التعب في عينيه أكتر ما شايفة اللعب والبراءة كان بيجري خطوتين ويتعب ويقعد على الأرض يحط إيده على صدره ويقول لي يا ماما قلبي بيوجعني وكنت كل مرة أضحك قدامه وأدخل الحمام أعيط بصوت مكتوم لحد ما في السنة اللي فاتت الدكاترة قالوا إن عنده عيب خلقي معقد في القلب وإن الحل الوحيد عملية دقيقة ومكلفة جدًا في مركز متخصص في القاهرة والدكتور اللي ماسك حالته كان دايمًا يذكر اسم مستشفى ويقول لي إن هناك عندهم خبرة كبيرة في الحالات الصعبة زي حالة آدم وكنت كل مرة أرجع البيت أحسبها بالأرقام وأكتشف إن المبلغ أكبر مني ومن أحلامي ومن عمري كله السنة اللي فاتت عدت علينا وإحنا بين المستشفى والبيت وأنا بشتغل تلات شغلانات الصبح في حضانة وبالليل في محل ملابس وبينهم شغل تنظيف بيوت عشان أوفر حق العلاج بعت دهبي بعت الشبكة اللي كنت محتفظة بيها رغم إن جوازتي انتهت من زمان من يوم ما أبوه اختفى أول ما عرف إني حامل وسابني أواجه الدنيا لوحدي كنت فاكرة إني قوية لحد ما سمعت الدكتور بيقول الكلمة اللي كسرتني لو
معملش العملية فورًا مش هيعيش أكتر من خمس شهور يومها خرجت من عنده وأنا حاسة إن الأرض بتسحبني لتحت قعدت على رصيف قدام المستشفى وبصيت للسما وقلت له يا رب أنا عمري ما طلبت حاجة لنفسي بس ابني ده ماليش غيره بعد أسبوعين من الجري ورا جمعيات خيرية وناس قريبة وبعيدة وكلهم ظروفهم على قدهم رجعت البيت مرهقة لقيت رسالة من البنك على الموبايل افتكرتها إعلان أو غلطة في السيستم لكن لما فتحتها إيدي اترعشت ٨٠٠ ألف جنيه نزلوا في حسابي مرة واحدة نفس المبلغ اللي قالوا لي عليه بالمليم حاولت أتأكد كلمت خدمة العملاء سألتهم مين المحول قالوا لي التحويل جاي من حساب خاص ومفيش بيانات غير جملة واحدة في خانة البيان سامحيني على كل اللي عملته قعدت أبص للجملة دي كتير سامحيني مين اللي بيطلب السماح مني أنا عمري ما ظلمت حد لكن قدامي فرصة إنقاذ ابني وقلبي كان بيقول لي متفكريش كتير خدت الفلوس وحددنا ميعاد العملية في نفس المركز اللي الدكتور رشحه ودخل آدم أوضة العمليات وأنا واقفة قدام الباب بقرأ الفاتحة وبستودعه عند ربنا الساعات عدت تقيلة زي الرصاص لحد ما الدكتور خرج بابتسامة صغيرة وقال العملية نجحت الحمد لله يومها حسيت إني اتولدت من جديد ومع الأيام آدم بدأ يفوق ويضحك
تاني ويطلب آيس كريم ويقول لي لما أخرج عايز أروح النادي زي باقي الأطفال كنت بحاول أصدق إن الكابوس خلص لحد الليلة اللي كنت قاعدة فيها جنبه وهو نايم على السرير وأجهزة المراقبة حواليه والهدوء مالي الأوضة فجأة خبط خفيف على الباب دخل راجل طويل لابس بدلة شيك وواقف بثقة غريبة أول ما بصيت في وشه قلبي دق بقوة رغم إن السنين غيرت ملامحه عرفت عينه ونظرة البرود اللي فيها قال لي بهدوء يخوف إنتي بجد افتكرتي إن فلوس عملية آدم جاتلك كده من غير مقابل رجلي اتجمدت مكاني وهو كمل وقرب كرسي وقعد قصادي وقال اقعدي يا هنا لازم نتكلم قعدت وأنا بحاول أستجمع شجاعتي وسألته بصوت مبحوح إنت مين وعايز إيه ابتسم ابتسامة باهتة وقال أنا أكتر واحد ليه حق يعرف آدم عامل إيه لأنه ابني الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة قلت له ابني إزاي وأنت هربت من عشر سنين وسابتني أواجه كلام الناس ووجع الحمل والولادة لوحدي قال لي إنه وقتها كان شاب متهور وخاف من المسؤولية وسافر بره البلد يشتغل وفعلاً سافر وقضى سنين بيبني نفسه ويجمع فلوس لكنه عمره ما نسي اليوم اللي سابني فيه ولا نسي إن في طفل ممكن يكون عايش باسمه قال إنه حاول يوصل لي أكتر من مرة لكن أهلي كانوا اتوفوا وانتقلت من مكان لمكان لحد
ما من شهور بالصدفة قابل واحد من قرايبنا القدامى وعرف منه إن عندي ابن اسمه آدم وإنه مريض بالقلب وإن حالته خطيرة قال لي إنه راح يسأل عن حالته بنفسه ولما تأكد من التحاليل والتقارير حس إنه قدام امتحان من ربنا يا يكفر عن ذنبه يا يفضل هارب طول عمره فقرر يدفع المبلغ كامل من غير ما يظهر في الصورة لأنه كان عارف إني ممكن أرفض الفلوس لو عرفت إنها منه سألته طب إيه المقابل اللي بتتكلم عنه قال بهدوء المقابل مش فلوس ولا حاجة وحشة أنا عايز فرصة أبقى أب لابني عايز أكون موجود في حياته حتى لو من بعيد حتى لو تقوليله إني صديق للعيلة بس مع الوقت يعرف الحقيقة لما يكون مستعد بصيت له وقلبي مليان غضب وامتنان في نفس الوقت قلت له انت فاكر الفلوس تمحي عشر سنين من الغياب قال لي لا بس يمكن تفتح باب للغفران قلت له الغفران مش عندي بس عند آدم لأنه هو اللي اتحرم من أب مش أنا فضلنا نتكلم ساعات وهو يحكي عن غربته ووحدته وإحساسه بالذنب وأنا أحكي عن ليالي الخوف قدام باب الطوارئ وعن نظرات الشفقة من الناس وعن طفل كان بيسألني هو بابا فين وأنا أرد وأقول مسافر بعيد عشان شغله وفي الآخر سكتنا الاتنين وبصينا لآدم وهو نايم بسلام لأول مرة من سنين حسيت إن القدر بيرجع يختبرني
من