بعد ما إيثان اتقبض عليه، كنت فاكرة إن القصة خلصت وإن الشر اتكشف واتحط ورا القضبان وخلاص، لكن الحقيقة إن الوجع الحقيقي ابتدى بعد ما البيت فضي من صوته ومن تمثيله ومن كلمة "يا بنت قلبي" اللي كانت بترن في وداني حتى وهو مش موجود، أول ليلة نمت فيها لوحدي من غير كوباية المية الدافية، فضلت باصة للسقف ساعات طويلة، جسمي متعود ينام مغيب، لكن المرة دي كنت صاحية بكل خلية فيا، صاحية على خوف وغضب ومرارة وخجل من نفسي إني اتخدعت بالشكل ده، بدأت جلسات علاج نفسي لأن الدكتور قالي إن التسمم مش بس جسدي، ده نفسي كمان، ست سنين من التلاعب خلت ثقتي في إحساسي تهتز، المعالجة سألتني سؤال عمره ما جه في بالي: إنتي زعلانة منه أكتر ولا من نفسك؟ السؤال وجعني، لأني كنت طول الوقت شايفة نفسي الضحية، لكن جوايا كان في صوت بيقول إنتي تجاهلتي إشارات كتير، إنتي اخترتي تصدقي الصورة اللي ريحتك، وابتديت أرجع بالذاكرة لورا، افتكرت إزاي كان دايماً يعزلني بالتدريج عن صحابي بحجة إنهم بيغيروا مننا، إزاي كان يقنعني أريح دماغي من إدارة فلوسي وهو يتكفل بكل حاجة، إزاي كان كل ما أحس بتعب يقولي طبيعي سنك
كبر شوية، كلمة شوية دي كانت بتدبحني من غير ما آخد بالي، كأن التقدم في السن تهمة لازم أعتذر عنها، في نص جلسات العلاج جاتني صدمة تانية، المحامي كلمني وقال إن في محاولة سحب كبيرة من حساب استثماري قديم اتعملت قبل القبض على إيثان بأيام، ولولا إن التوقيع الإلكتروني محتاج تأكيد بصمتي كان المبلغ خرج، فهمت إن الخطة كانت أسرع من فكرة الوصاية، كان مستني لحظة انهيار صحي واضحة، يدخل المستشفى معايا بصفته الزوج الحنون، ووسط الفوضى يحرك فلوس ويبيع أصول، لما واجهناه بالأدلة اعترف إنه كان متواصل مع اتنين من معارفه في مجال الاستثمار المشبوه، وقتها حسيت إن الست سنين اللي عشتهم ماكانوش بس خداع عاطفي، كانوا عملية مدروسة خطوة خطوة، الغضب بدل ما يكسّرني خلاني أعمل حاجة ماكنتش متخيلة أعملها، قررت أرفع دعوى مدنية ضده أطالب فيها بتعويض كامل عن الأذى الجسدي والنفسي ومحاولة الاحتيال، مش عشان الفلوس، لكن عشان أسجل رسميًا إنه ماكانش حب ضل طريقه، كان استغلال متعمد، القضية خدت شهور، وفي كل جلسة كنت بشوفه قدامي من غير القميص الأنيق والابتسامة الهادية، كان باين عليه الخوف، ولأول مرة حسيت
إن ميزان القوة اتقلب، الحكم صدر بسجنه وتعويض مالي كبير اتحط تحت إدارة المحكمة لحد ما يخرج، وفي اللحظة دي حسيت إني استرديت اسمي قبل فلوسي، رجعت أبص في المراية من غير ما أشوف ست ساذجة، شفت ست اتجرحت وقامت، بعد انتهاء القضية قررت أعمل حاجة مختلفة تمامًا عن حياتي القديمة، بدل ما أستخبى في شقة على البحر وأعد الأيام، فتحت مؤسسة صغيرة باسم زوجي الأول لدعم السيدات الأكبر سنًا اللي بيتعرضوا للاحتيال العاطفي والمالي، اكتشفت إن قصتي مش فريدة، في ستات كتير بيستهدفهم شباب أصغر منهم بوعود الحب والأمان، بيبدأ الموضوع بكلمة حلوة وينتهي بتوقيع على ورق، كنت بقعد معاهم وأحكي حكايتي من غير تجميل، أقولهم إزاي الحب الحقيقي مش بيطلب منك تتنازلي عن وعيك ولا عن علاقاتك ولا عن حقك تسألي، سنة ورا سنة، صحتي اتحسنت، تحاليلي رجعت طبيعية، وابتديت أتمرن تاني، بس المرة دي في جيم مختلف ومدربته ست في سني تقريبًا، لما كنت أجري على الجهاز وأحس قلبي بيدق بقوة، كنت ببتسم لأن الدقات دي بقت ملكي أنا، مش نتيجة مادة في قطارة بني، وفي يوم من الأيام وصلتني رسالة من السجن عن طريق محاميه، كان كاتب
إنه ندمان وإنه فعلاً حبني في وقت من الأوقات، مسكت الرسالة دقيقة وبعدين حطيتها في النار، مش عشان أظهر قوية، لكن عشان أدركت إن بعض الأبواب لازم تتقفل من غير ما نرجع نبص وراها حتى لو اللي وراها بيعيط، يمكن كان فيه لحظة صدق صغيرة وسط كذبه الكبير، لكن اللحظة دي ما تمحيش ست سنين من السم، النهاردة وأنا داخلة على الستين، بقيت بفهم إن الوحدة مش عيب، وإن الخوف منها هو اللي بيوقعنا في أيدي ناس غلط، بقيت أختار علاقاتي بهدوء، ولو حد قالي يا بنت قلبي أبتسم وأسأله بهزار كده وإيدك فيها إيه؟ يمكن الجملة بقت نكتة بيني وبين نفسي، لكن وراها درس عمره ما هينمحي، اتعلمت إن الحب مش نوم تقيل بلا أحلام، الحب يقظة وراحة في نفس الوقت، اتعلمت إن إحساس الخطر اللي بيهمس جوانا مش عدو، ده حارس، ولو كنت سمعت له من أول سنة يمكن كنت وفرت على نفسي كتير، لكن يمكن كمان ماكنتش هبقى الست اللي أنا عليها دلوقتي، ست اتكسرت واتصلحت، اتسممت واتعافت، اتحبت غلط واختارت تحب نفسها صح، وده كان الجزء التاني من حكايتي، حكاية مش بس عن خيانة، لكن عن صحوة متأخرة أنقذت ما تبقى من العمر وخليته يستاهل يتعاش بجد.