بعد ما خدت قراري إني مش هبلغ ومش هفضح السر، افتكرت إن الحكاية خلصت عند اللحظة دي، لكن الحقيقة إن الاعتراف كان بس أول باب اتفتح، واللي وراه كان طريق أطول وأصعب بكتير، لأن الغفران كلمة سهلة تتقال لكن صعبة تتعاش، أول ليلة نمت فيها بعد ما قريت الرسالة حلمت بالحادثة، بس المرة دي الحلم كان أوضح، كنت شايفة الطريق، سامعة صوت خناق، حاسة بالفرامل وهي بتصرخ، وصوت خبطة بيرج الدنيا، وصحيت مفزوعة وقلبي بيدق كأني لسه طفلة عندها أربع سنين، ساعتها فهمت إن جسمي يمكن فقد الحركة، لكن ذاكرتي فقدت أجزاء، وإن السر اللي انكشف مش بس سر عمي، ده كمان سر جوايا أنا، بدأت أروح لدكتورة نفسية لأول مرة في حياتي، كنت دايمًا أقول أنا قوية ومش محتاجة حد، لكن القوة الحقيقية طلعت إني أطلب مساعدة، قعدت أحكي لها عن عمي، عن حبه، عن غلطته، عن الرسالة، عن الصراع اللي جوايا بين بنت يتيمة اتكسرت، وبنت ممتنة اتربت على إيد راجل حاول يصلح غلطته بكل ما يملك، ومع كل جلسة كنت بحس إني بفك عقدة صغيرة من حبل ملفوف حوالين صدري بقاله سنين، وفي نفس الوقت بدأت أسأل عن العملية الجديدة اللي كان كاتب عنها، اكتشفت إنها عملية معقدة
ونسبة نجاحها مش مضمونة، محتاجة سفر وبرنامج تأهيل طويل، والفلوس اللي سايبها تكفي بالعافية البداية، قعدت يومين مترددّة، خايفة أتمسك بأمل كداب وأرجع مكسورة أكتر، لكن افتكرت جملته: متخليش لحظة غبائي تحكم باقي عمرك، حسيت إن دي وصيته الحقيقية، مش الفلوس ولا السر، لكن المحاولة، فبدأت الإجراءات، سافرت، دخلت مستشفى كبيرة، أول مرة أبعد عن البيت من غير عمي، أول مرة أواجه الدنيا لوحدي بجد، في أوضة بيضا وريحتها مطهرات، مضيت أوراق طويلة وأنا إيدي بتترعش، كنت حاسة إني بمضي على خوف عشرين سنة، العملية نفسها عدّت كأنها لحظة وسنين في نفس الوقت، فوقت على ألم شديد، وأجهزة حواليا، ودكتور بيبتسم ابتسامة حذرة، قالي إن العملية نجحت مبدئيًا لكن الطريق لسه طويل، وإن الحركة مش هترجع فجأة، محتاجة شهور علاج وتأهيل، الشهور دي كانت أصعب من أي حاجة عديت بيها، كنت بتعلم أحرك عضلات نسيتها، بتعلم أستحمل وجع ماكنتش أعرفه، كنت أعيط أوقات من الإحباط، وأفتكر إن يمكن أسيب كل ده وأرجع كرسيي اللي اتعودت عليه، لكن في كل مرة كنت بتخيل عمي قاعد يتفرج عليّ وهو بيحاول يتعلم يسرح لي شعري من فيديو على الموبايل، راجل في الخمسين
بيبدأ من الصفر عشاني، فكنت أقول لنفسي وأنا كمان هبدأ من الصفر عشاني، بعد ست شهور، جه اليوم اللي الدكتورة قالت لي نجرب نقف بمساعدة جهاز، قلبي كان هيطلع من صدري، حطوا الحزام حوالين خصري، ومسكت في القضبان، وحاولت أضغط برجلي على الأرض، في الأول مفيش استجابة، وبعدين حاجة بسيطة جدًا، رعشة خفيفة، يمكن غير ملحوظة لأي حد، لكنها بالنسبة لي كانت زلزال، دموعي نزلت وأنا واقفة لأول مرة من سنين، يمكن مش واقفة لوحدي، يمكن متسنّدة على أجهزة وناس، لكن واقفة، حسيت إني برد على الرسالة بطريقة عملية، مش بكلام، ومع الوقت الرعشة بقت خطوة صغيرة بمساعدة، وبعدين خطوتين، المشي كان تقيل وبطيء ومليان خوف، لكن كل خطوة كانت بتفك قيد من قلبي، رجعت مصر بعدها وأنا مشيّي لسه محتاج عكازين، لكني مش نفس هنا اللي سافرت، بدأت أحكي قصتي على السوشيال ميديا، مش عشان أفضح حد، لكن عشان أقول إن الحقيقة حتى لو موجعة ممكن تبقى بداية شفاء، ناس كتير بعتت لي تحكي عن أسرار اتدفنت في بيوتها، عن آباء غلطوا وندموا، عن أولاد متلخبطين بين الحب والغضب، حسيت إني مش لوحدي، وفي يوم جالي تعليق من حد كتب لي: يمكن عمك غلط، لكن واضح إنه
رباكي صح، الجملة دي فضلت ترن في ودني، آه هو غلط، وغلطته كسرت حياتي، لكن اختياره بعدها إنه يتحمل مسؤوليتي ويعيش عشاني كان اختيار واعي كل يوم، وده علمني إن الإنسان مش لحظة واحدة، لا لحظة غلط ولا لحظة صح، هو مجموع اختياراته اللي بعدها، بعد سنة تقريبًا قدرت أمشي مسافة قصيرة من غير عكاز، خطوة ورا خطوة، ببطء، بتركيز، كنت حاسة بالأرض تحت رجلي كأنها أول مرة ألمسها، رحت المقابر يومها، وقفت قدام قبره، ووقفت فعلًا من غير سند، وقلت له بصوت واطي: أنا سامحتك، مش عشان أنسى، لكن عشان أكمل، يمكن لو كان عايش وقلت له كنت هتخانق معاه وأصرخ في وشه وأقوله إنه سرق مني أهلي وطفولتي، لكن وهو تحت التراب فهمت إن المسامحة مش هدية له، دي هدية لنفسي، من ساعتها وأنا مكملة، بشتغل، وبسافر، وبحلم، ورجلي يمكن لسه مش كاملة، لكن قلبي بقى أقوى، وعرفت إن الحقيقة حتى لو اتأخرت عشرين سنة، لما بتطلع للنور بتوجع الأول، لكنها بعد كده بتفتح طريق، وأنا اخترت أمشيه، خطوة خطوة، بإرادتي أنا، مش بإرادة حادثة، ولا بغلط حد، ولا بسر مدفون، لكن بقصة كاملة من البداية للنهاية، قصة ألم وحب وذنب وغفران، والأهم… قصة بداية جديدة.