سر غير حياتي

لمحة نيوز

بعد خمس سنين من وفاة عصام، كنت لسه كل ليلة بصحى مفزوعة على صوت خبطة السلم اللي غيرت حياتي في ثانية. الليلة دي في المعادي، المطر كان بيخبط في الشبابيك كأنه حد بيصرخ، والنور بيقطع ويرجع، وعصام طالع على السلم شايل طلبات من السوبر ماركت، وفجأة اتزحلقت رجله على الرخام المبلول. صوته وهو بيقع لسه محفور جوايا. المستشفى قالت خبطة في قاع الجمجمة ونزيف داخلي، والنيابة سجلت حادث عرضي. الكل سلّم بقضاء وقدر إلا قلبي اللي كان حاسس إن في حاجة غلط بس مش عارفة أمسكها. عشت بعدها زي الآلة، باكل وأنام وبشتغل من غير روح، والحاجة الوحيدة اللي كانت مربوطة بعصام هي قصرية الزرع البيضاء اللي زرع فيها وردة صفراء وقال لي يومها حتى لو غبت، هتفضل دي شاهدة إني كنت هنا. كنت بسقيها كل يوم كأني بسقي ذكراه. وفي يوم حر ساكن، قررت أغير التربة، القصرية خانتني واتكسرت، والطين اتبعثر، ووسط الفوضى لقيت لفافة قماش مربوطة بخيط أسود ومتغلفة بعناية. فتحتها وإيدي بتترعش، لقيت

فلاشة وورقة بخطه يا مروة.. لو بتقرئي ده يبقى أنا مت. موتي مش قضاء وقدر. محسن شريكي عايز يخلص مني عشان الثغرة اللي اكتشفتها في حسابات الشركة. الفلاشة عليها كل الدليل. بلغي وخدي حقي. الدنيا اسودت في عيني، محسن؟ الراجل اللي كان في العزا؟ طلبت النجدة وصوتي بيتهز، والشرطة وصلت، والظابط أول ما سمع اسم محسن طلب قوة إضافية. فتحوا الفلاشة على لابتوبي، لقوا تسجيلات صوتية لمكالمات بين عصام ومحسن، فيها تهديد صريح، وملفات حسابات بتثبت اختلاس ملايين وتحويلها لحسابات بره مصر، وفي فيديو متسجل من كاميرا الشركة يبين محسن وهو بيغير سجلات في نص الليل. لكن الأخطر كان تسجيل قبل وفاة عصام بيومين، عصام بيقول فيه إنه هيقدم بلاغ رسمي وهيكشف كل حاجة. الظابط بص لي وقال إن ده دليل كافي لفتح تحقيق جنائي وإعادة تشريح الملف. في نفس الليلة، جالي تليفون مجهول ابعدي عن اللي لقيتيه عشان تعيشي. فهمت إن محسن عرف. بدأت الأيام تتحول لمطاردة صامتة، عربية سودا بتمشي ورايا،
مكالمات بتقفل أول ما أرد، باب الفيلا حد حاول يفتحه بليل. الشرطة حطت حراسة، وطلبوا مني أختفي كام يوم عند أختي في مدينة نصر. التحقيقات أثبتت إن يوم الحادث، كاميرات الفيلا كانت مفصولة، وإن عامل الصيانة اللي نشف السلم اختفى بعد أسبوع وسافر فجأة. اتقبض عليه في المطار واعترف إن محسن دفع له فلوس يسيب الرخام مبلول ويقطع النور من لوحة الكهرباء الخارجية. المواجهة كانت تقيلة، محسن أنكر وبكى قدام الكل، لكن التسجيلات والحسابات والاعترافات خلت القضية تتحول لجناية قتل عمد مع سبق الإصرار. المحاكمة استمرت شهور، وأنا كل جلسة كنت ببص له وأسأل نفسي إزاي عشت خمس سنين مصدقة إن موت عصام قضاء وقدر. في آخر جلسة، القاضي نطق بالحكم السجن المؤبد لمحسن، ومصادرة أمواله وتعويض مالي كبير ليا بصفتي الوريثة. خرجت من المحكمة حاسة إن عصام واقف جنبي، مش علشان الفلوس ولا الحكم، لكن علشان الحقيقة ظهرت. رجعت المعادي، ورممت السلم، وغيرت الرخام، وزرعت وردة صفراء جديدة في
قصرية تانية، وحطيت جنبها الفلاشة بعد ما خلصت القضية، كذكرى إن الحقيقة ممكن تتدفن سنين تحت الطين، بس يوم ما النور ييجي لها بتطلع وتصرخ. بقيت أروح كل أسبوع أزور قبر عصام وأحكي له اللي حصل، وأقوله إن حقه رجع وإن اسمه اتنضف. يمكن الألم ما اختفاش، ويمكن ليالي كتير لسه ببكي، لكن الفرق إن المرة دي مش بكاء عجز ده بكاء ارتياح. لأن اللي اتقال عليه حادث طلع جريمة، واللي اتقال عليه قضاء وقدر طلع خيانة، وأنا ما بقيتش الست اللي عايشة على الذكرى وبس، بقيت الست اللي واجهت خوفها وفتحت القصرية المكسورة ولقت جواها الحقيقة وأخدت حقها لآخر نفس.
كنت فاكرة إن الحكم بالمؤبد نهاية الحكاية بس الحقيقة إن ده كان أول سطر في فصل جديد، فصل أصعب وأخطر وأعمق مما تخيلت. بعد ما محسن اتحكم عليه، الصحافة ما سابتنيش، اسمي بقى يتقال في البرامج، وصوري وأنا خارجة من المحكمة اتنشرت في كل حتة. كنت ماشية في شوارع المعادي حاسة إن العيون كلها بتبص لي، نصهم شفقة والنص التاني فضول.

تم نسخ الرابط