حاولت أرجع لحياتي الطبيعية، لكن الطبيعي نفسه بقى حاجة غريبة عليّ. الشركة اللي كان عصام شريك فيها اتحطت تحت الحراسة، والنيابة طلبتني أكتر من مرة عشان أراجع أوراق وأمضي على مستندات تخص التحقيقات المالية. في يوم وأنا بقلب في الملفات اللي رجعت من الشركة، لقيت ظرف قديم باسمي بخط عصام، مختوم ومكتوب عليه يفتح بعد ما القضية تخلص. قلبي رجع يدق بنفس الرعب الأولاني. قعدت على الكنبة في الصالة، نفس المكان اللي كنت بقعد فيه أستناه يرجع من الشغل، وفتحت الظرف. كان جواه خطاب أطول من الأول بكتير، وصورة لينا وإحنا في اسكندرية أول جوازنا، ونسخة من عقد تأسيس شركة تانية باسمي أنا من غير ما أعرف. عصام كان كاتب إنه كان شاكك في محسن من سنين، وإنه بدأ يحوّل جزء من أرباحه في استثمار قانوني باسمي عشان يحميني لو حصل له حاجة. حسيت بمزيج من الفخر والوجع، الراجل ده كان بيحارب لوحده عشان يحمي مستقبلي. لكن آخر سطر في الخطاب هو اللي قلب الدنيا تاني لو وصلتي للمرحلة دي، اعرفي إن في واحد تاني مش
باين في الصورة اسمه سامر. الاسم ده ما كانش غريب عليّ، سامر كان المدير المالي اللي استقال قبل موت عصام بشهرين وسافر بره. بدأت الشكوك ترجع أقوى من الأول، هل محسن كان مجرد واجهة؟ هل في شبكة أكبر؟ رحت للضابط اللي مسك القضية ووريته الخطاب، وبدأت التحقيقات تتفتح تاني، خصوصًا إن في تحويلات مالية كانت طالعة لشركة وهمية باسم سامر في قبرص. الأيام بقت توتر مضاعف، وبدأت أحس إن في حد بيراقبني تاني، بس المرة دي بشكل أهدى وأذكى. مفيش مكالمات تهديد، لكن في إيميل وصلني من حساب مجهول فيه صورة ليا وأنا داخلة البنك، وتحته جملة واحدة فاكرة إن كل حاجة خلصت؟ اتجمد الدم في عروقي. الشرطة طلبت مني أبلغ عن أي رسالة فورًا، وبدأوا يتتبعوا ال، لكن الحساب كان بيتقفل ويتفتح كل مرة من مكان مختلف. في نفس الوقت، محامي محسن قدم استئناف، وبدأ يدّعي إن التسجيلات مفبركة وإن في تلاعب بالأدلة. رجعت أعيش كأن القضية لسه في أولها، جلسات ومحامين وتقارير فنية. لكن المفاجأة الأكبر حصلت لما عامل الصيانة اللي
شهد ضد محسن طلب يقابل النيابة تاني، وقال إن في شخص تاني هو اللي وصله بمحسن، وإنه كان بياخد أوامره من حد أكبر. الاسم اللي قاله كان سامر. الصورة بدأت تكتمل سامر كان بيغسل الأموال، ومحسن كان الواجهة التنفيذية، وعصام لما اكتشف الثغرة هدد المنظومة كلها. تم إصدار نشرة حمراء للقبض على سامر، وبعد شهور من المطاردة اتقبض عليه في مطار بألمانيا وهو داخل بهوية مزورة. لما جابوه مصر، اعترف جزئيًا إنه كان بيحوّل فلوس بره البلد، لكنه حاول ينكر أي علاقة بقتل عصام. إلا إن مفاجأة تانية ظهرت تسجيل قديم من كاميرات مخزن الشركة يبين سامر وهو بيسلم ظرف فلوس لمحسن قبل الحادث بأيام. القضية اتحولت من جريمة فردية لمؤامرة كاملة. الصحافة رجعت تكتب، والناس رجعت تتكلم، وأنا بقيت واقفة في النص بين خوف قديم وقوة جديدة اكتسبتها غصب عني. في جلسة الحكم النهائية ضد سامر، المحكمة أدانته بالتآمر والاشتراك في القتل وغسيل الأموال، واتحكم عليه بالسجن المشدد سنين طويلة. لما خرجت من المحكمة المرة دي، حسيت
إن الحمل اللي على صدري أخف بكتير، كأن روح عصام أخيرًا ارتاحت فعلًا. رجعت البيت، دخلت البلكونة، بصيت على الوردة الصفراء اللي كبرت وبقت أقوى، وحسيت إني أنا كمان كبرت واتغيرت. ما بقيتش الست اللي بتستنى، بقيت الست اللي بتدور ورا الحقيقة لحد آخرها. استخدمت الشركة اللي عصام أسسها باسمي وبدأت مشروع جديد يحمل اسمه، مشروع بيدعم رواد الأعمال الشباب عشان محدش يضطر يشتغل تحت رحمة شريك فاسد. كل ما أقف قدام الموظفين وأتكلم، بحس إنه واقف ورايا بيبتسم. يمكن الجرح عمره ما يختفي، ويمكن اللي حصل فضل علامة في قلبي، لكن العلامة دي بقت وسام قوة مش ضعف. القصرية اتكسرت يومها، بس من تحت الطين خرجت الحقيقة، والحقيقة غيرتني من ست مكسورة لست واقفة على رجليها، مش بس خدت حق جوزها ده كمان فضحت شبكة كاملة كانت فاكرة إنها أذكى من العدالة.
والنهاية الحقيقية ما كانتش حكم محكمة ولا سجن حد، النهاية كانت اللحظة اللي بصيت فيها لنفسي في المراية وشفت في عيني شجاعة ما كنتش أعرف إنها موجودة جوايا من الأساس.