اتجوزت راجل اكبر مني
فتحت درج عم رفعت اللي عمر ما حد قرب له غيري. كان دايمًا يقول لي:
"لو حصل لي حاجة، افتحي الدرج ده وهتفهمي."
جواه لقيت ملف بني قديم. مكتوب عليه بخط إيده:
"لو الطمع رجع."
فتحت الملف.
كان فيه ورق ملكية قطعة أرض صغيرة باسمه في مكان بعيد عن الحارة، ونسخة من عقد شراكة قديم بينه وبين أخوه… والد ولاد أخوه.
وقتها فهمت.
البيت اللي كانوا بيجروا عليه عمره ما كان ملك أبوهم. كان ملك عم رفعت من الأول. وأبوهم كان شريك بنسبة بسيطة جدًا. بعد ما مات، حاولوا يزوّروا أوراق عشان يكبّروا نصيبهم، لكنه كشفهم وسكت… عشان "الدم ما يبقاش ميه".
يعني الموضوع مش بيت وبس.
الموضوع كان تاريخ طويل من الطمع المؤجل.
أخدت الملف وروحت لمحاميّ. قعد يقلب في الورق وسكت شوية، وبعدين بص لي وقال:
"إنتِ مش بس تقدري تحمي نفسك… إنتِ تقدري تقاضيهم وتاخدي تعويض."
أنا ماكنتش عايزة فلوس. كنت عايزة أعيش في أمان.
لكن لما بدأت أراجع اللي حصل… الحجر، التهديد،
رفعنا قضية تشهير وتهديد.
الجلسات كانت مرهقة. كل مرة أشوفهم قاعدين قدامي، أحس قد إيه الحقد ممكن يغيّر ملامح البشر. لكن المرة دي ماكانش عندهم لا تحليل يشككوا فيه، ولا ورقة يطعنوا فيها.
كان عندهم بس كراهية.
وفي نص القضية حصلت المفاجأة اللي ماكنتش متوقعة.
دييغو… ابن عمهم اللي كان دايمًا ساكت… طلب يقابلني لوحدي.
وافقت بحذر، وقابلته في كافيه بعيد عن الحارة.
قعد قدامي وهو مش قادر يبص في عيني.
قال لي:
"أنا آسف."
ما استوعبتش في الأول.
كمل:
"أبوكِ… قصدي عم رفعت… قبل ما يموت بشهر، أبويا اعترف له بحاجة."
قلبي دق بسرعة.
قال إن أبوهم زمان، أيام الشراكة، سرق جزء من فلوس عم رفعت في مشروع أرض. وعم رفعت عرف… لكنه ما فضحوش. سابه بكرامته عشان العِشرة.
لكن كان محتفظ بورق يثبت الحقيقة… احتياط.
الورق ده… هو اللي في الملف.
يعني عم رفعت كان عارف إنهم لو تمادوا، الحقيقة ممكن تطلع وتكسّرهم.
دييغو قال إنه مش قادر يكمل في حرب خاسرة أخلاقيًا، وإنه مستعد يشهد ضدهم.
خرجت من الكافيه وأنا حاسة إن ربنا بيظهر الحق واحدة واحدة.
في الجلسة الأخيرة، دييغو شهد فعلًا. قال إن عيلته حاولت تضغط عليّ، وإنهم عارفين إن عم رفعت كان سليم العقل والجسم، وإن كل اللي بيعملوه انتقام عشان ما خدوش البيت.
القاضي حكم عليهم بغرامة كبيرة، وأمر بإزالة كل المنشورات المسيئة، وتحذير رسمي من أي تعرض ليا أو لابني.
لأول مرة شفت الخوف في عينيهم.
بعد الحكم بأيام، الحارة رجعت تتعامل معايا طبيعي. يمكن عشان الناس بتحب تمشي مع الغالب. ويمكن عشان الحقيقة في الآخر بتبان.
الهدوء رجع… بس أنا بقيت أقوى.
اشتغلت أونلاين من البيت، بدأت أبيع منتجات طبيعية كنت بعملها لنفسي. الفلوس كانت بسيطة، لكن إحساس الاستقلال كان كبير.
ياسين كبر سنة كمان. بقى يجري في الجنينة وينادي:
"ماما… بابا فين؟"
كنت أقعده على رجلي وأحكي له عن راجل عنده 80 سنة كان قلبه 20،
وفي يوم، وأنا بنضف الدولاب، لقيت ظرف صغير مستخبي بين هدوم عم رفعت.
فتحته.
كان فيه جواب ليا.
"يا هناء، لو بتقري ده يبقى أنا مشيت. إوعي تخافي. الناس هتتكلم، وهتحارب، بس إنتِ أقوى مما تتخيلي. والولد ده… رزق مخصوص عشان يحميكي زي ما حميتينّي. لو احتجتي حاجة، دوري ورا الصورة الكبيرة في الصالون."
قلبي وقع.
جريت على الصالون، شلت الصورة الكبيرة اللي فيها هو شايل ياسين، لقيت وراها مفتاح صغير متلزق بشريط.
المفتاح كان لخزنة حديد صغيرة في المخزن.
فتحتها.
كان فيها مبلغ مش قليل، وورقة مكتوب فيها:
"ده حقك… مش منة. عشان محدش يحطك في موقف ضعف."
قعدت على الأرض أبكي.
مش عشان الفلوس.
عشان الراجل ده حتى وهو ميت… لسه بيحميني.
بصيت لياسين وهو بيلعب على الأرض، وابتسمت.
يمكن اتجوزته في الأول عشان أحميه.
لكن في الآخر… هو اللي حماني.
وساب لي ابن، واسم، وكرامة… وحكاية عمرها