لأجل والدتي

لمحة نيوز

أخدت مراتي حبستها في "الأوضة الكركبة" اللي تحت السلم عشان تنام هناك، وده لمجرد إنها اتجرأت وردت كلمة بكلمة على أمي. وتاني يوم الصبح، لما فتحت الباب وشوفت المنظر، اتسمرت مكاني وما عرفتش انطق بكلمة واحدة...
​في الأول، كنت فاكر إن مراتي "سعاد" مستحيل تفكر تسيب البيت. أهلها ساكنين بعيد قوي، في آخر الصعيد — مشوار يهد الحيل. وفي القاهرة هنا، مالهاش حد غيري. والأهم من ده كله، إني كنت "شكمها" في الفلوس، وماكنش معاها مليم أحمر باسمها. عشان كدة نمت ليلتها وأنا حاطط في بطني بطيخة صيفي، وروحت في سابع نومة جنب أمي وأنا رافع راسي لفوق.
​أمي — "الحاجة شريفة" — طول عمرها بتتباهى إنها ست مضحية وشقيانة عشان العيلة. وبالنسبة لها، الست "الأصيلة" هي اللي بتسمع الكلام وهي ساكتة. وأنا كنت بقول لنفسي:
​"لما كنت عيل صغير، كان واجبي أشيل أهلي فوق راسي.. يبقى إيه المشكلة لما مراتي تتحمل هي كمان؟ هي يعني أحسن من اللي قبلها؟

"
​أما سعاد، فكانت من محافظة تانية خالص. اتعرفنا على بعض وقت الدراسة في الجامعة. ومن أول يوم، وأمي كانت حاطة نقرها من نقر الجوازة دي:
— "يا ضنايا دي أهلها في آخر الدنيا، وبعد الجواز هنفضل رايحين جايين والمشاوير هتاكل قلبنا وتتعبنا."
​سعاد عيطت وقتها، بس قالت بقلب جامد:
— "ما تخافيش يا حاجة، أنا هبقى بنتك وهشيلك في عيني، وأهلي مش هيبقوا عقبة، إنتو اللي هتبقوا أهلي وناسي."
​وفي الآخر، أمي وافقت وهي "لاوية بوزها". ومن يومها، كل ما أفكر أخد سعاد والعيال ونروح نزور أهلها، أمي كانت بتطلع لي بسبعين حجة عشان تفركش المشوار.
​بعد ما خلفنا أول عيل، المشاكل بدأت تزيد — ومعظمها على "تربية الواد". كنت بقول في بالي:
"أمي هي الجدة، وأكيد خايفة على مصلحة حفيدها.. إيه يعني لما نسمع كلامها؟"
​بس سعاد ماكنتش بتسكت. ساعات كانوا بيمسكوا في خناق بعض على حاجات تافهة — زي الواد يشرب لبن ولا ياكل سيريلاك.
وفي مرة، أمي
اتعصبت لدرجة إنها كسرت الأطباق وقعدت تصوت، ومن كتر "الدراما" ادّعت المرض وقعدت نايمة أسبوع كامل.
​مرة تانية، أخدنا الواد ورحنا لبيت جدتي، وفجأة الواد حرارته عليت وجاله تشنجات. بدل ما أمي تساعد، قعدت تأنب في سعاد:
— "إنتي خايبة وما بتعرفيش تراعي ضناك! عشان كدة الواد عيي منك!"
​وأنا كالعادة كنت شايف إن أمي معاها حق، ورميت اللوم كله على سعاد — وفي اللحظة دي، سعاد "جابت جاز" وفقدت أعصابها تماماً.
​ليلتها، سعاد فضلت صاحية طول الليل بتهنن في الواد التعبان. أما أنا، فعملت فيها "تعبان من المشوار" ونمت جنب أمي وأبويا ولا كأن في حاجة.
​تاني يوم الصبح، جالنا قرايبنا عشان يباركوا لنا وعزمناهم على العشا. أمي طلعت ٢٠٠ جنيه ورمتهم في وش سعاد وقالت لها:
— "انزلي السوق هاتي طلبات واطبخي لنا ٣ صواني محشي ومشويات عشان الضيوف."
​سعاد كانت عينيها وارمة من قلة النوم والتعب، وكنت لسه هقول لأمي "سيبيها ترتاح"، بس أمي
شخطت فيا:
— "لو الراجل نزل السوق الناس تضحك عليه! أنا بفضل صاحية طول الليل وبقوم أشوف شؤون بيتي.. هي مش أحسن مني، دي الست يعني الطبيخ!"
​سعاد رفضت تقوم، وصرخت في وش أمي:
— "أنا مانمتش دقيقة عشان خاطر ابنك! أنا مش قادرة أقف على رجلي! دول ضيوفك إنتي مش ضيوفي! أنا مرات ابنك مش الخدامة اللي جيبتيها بفلوسك!"
​كلنا اتصدمنا، واتحرجنا قدام قرايبنا. الغل ركبني، وجررت سعاد من دراعها وحبستها في "أوضة الكركبة"، وقفلت عليها بالمفتاح، ولا سبت لها غطا ولا مخدة. قلت في بالي:
"لازم تتربى.. عشان تعرف إزاي ترد على ستها وتكسر كلامها."
​جريت على أمي وأنا مرعوب. هي كمان اتخضت وكلمت العيلة يقلبوا الدنيا عليها. واحد من الجيران قال لنا:
— "أنا شوفتها بالليل، كانت بتعيط وماشية بشنطة هدومها في الشارع. صعبت عليا واديتها فلوس تركب تاكسي يوصلها لمحطة القطر عشان تروح لأهلها. وقالت لي إنكم عاملتوها زي الخدامة وهي مش هترجع تاني
وهتطلب الطلاق."
 

تم نسخ الرابط