مكنتش أعرف إن السواقة هي السر اللي مراتي حاولت تدفنه، وإن عطل العربية كان مجرد بداية لكابوس كابوس بدأ بهدوء شديد لدرجة تخليك تشك في نفسك قبل ما تشك في اللي حواليك. عم عبده، السواق بتاعي، عمره ما اتأخر عليا ثانية واحدة. بقاله ثلاث سنين بيجيلي لحد البيت في التجمع، القهوة جاهزة في مكانها، العربية بتبرق، والراديو مطفي عشان عارف إني بحب الهدوء قبل اجتماعات مجلس الإدارة. عشان كده لما ركن فجأة على جنب في طريق السويس وقال لي يا باشا العربية عطلت مني هطلبلك تاكسي حالاً عشان تلحق ميعادك، أول حاجة جت في بالي إن الضغط هو اللي نحس العربية. العربية المرسيدس ريحت ووقفت خالص. عم عبده فتح الكبوت وفضل يبص للموتور بأسى وهو عمال يدوس على موبايله بسرعة. قال أقرب تاكسي قدامه خمس دقايق يا فندم أنا هفضل هنا مع العربية. قلت بضيق وأنا بفك الكرافتة تمام. كان قدامي تسعين دقيقة على عرض مهم قدام مجلس إدارة مبيعرفوش يعني إيه كلمة تأخير. التاكسي وصل في أقل من دقيقتين بسرعة مريبة. فتحت الباب وركبت من غير ما أبص، كنت غرقان في الإيميلات على موبايلي. وفجأة سمعت صوت ست بتقول
صباح الخير. رفعت عيني السواقة كانت شابة في العشرينات، لامة شعرها كحكة منظمة، ملامحها حادة ومركزة وإيدها ثابتة على الدريكسيون. مش ده اللي كنت متوقعه خالص. سألت بشك هو عم عبده طلب شركة تاكسي معينة؟ بصت لي في المراية بسرعة وقالت هو طلب رحلة وأنا كنت قريبة. العربية كانت نضيفة وريحة لبان نعناع مالية الجو، وكاميرا صغيرة منورة جنب المراية. طلعت بالعربية بسلاسة وسألتني يوم مهم؟ قلت دايماً. وبعدين سألتها اسمك إيه؟ قالت هند هند لبيب. حاجة في هدوءها خلّتني أرفع عيني من الموبايل وأركز. بعد دقيقة صمت قالت كأنها بتدردش أنا زمان كنت سواقة برستيج بنقل مديرين كبار. سألتها وسبتيها ليه؟ سكتت لحظة وقالت مرات المدير مشتني. الجملة نزلت عليا غريبة. قلت لها شركة إيه؟ ترددت ثانية وبعدين قالت مجموعة كسلر للاستثمار. في اللحظة دي حسيت إن الدم سحب من وشي. دي شركتي. قربت لقدام وسألتها بحدة قولتي شركة إيه؟ بصت لي في المراية وقالت بهدوء مجموعة كسلر أنا كنت السواقة الخاصة لفريق الإدارة عندكم لحد ما مراتك قررت إني مش مريحة في المكان. الكلام وقع عليا زي الحجر. سألتها بسرعة
ومين المدير اللي كنتي بتسوقي له؟ سكتت لحظة وبعدين قالت أظن إنك عارف الإجابة. قبل ما أتكلم قالت فجأة وعلى فكرة عم عبده عربيتُه معطلتش بالصدفة. قلبي دق بعنف. سألتها يعني إيه؟ ردت وهي مركزة في الطريق يعني إن اللي حصل ده متخطط. حسيت إني داخل قصة أنا مش فاهم أولها. قلت لها ليه؟ قالت بهدوء عشان لازم أقولك حاجة بعيد عن أي حد. فضلت ساكت وأنا حاسس إن صدري بيضيق. قالت أنا اشتغلت مع شركتكم سنة كاملة كنت بنقل ملفات واجتماعات وأسماء ناس مهمة. وفي يوم شفت حاجة ماكنتش المفروض أشوفها. سألتها بحدة إيه هي؟ قالت حاجة بتتخبى عنك بقالها شهور. هنا بدأ الشك يتسلل جوايا. سألتها ليه متكلمتيش وقتها؟ قالت لأني اتطردت بعدها بيوم. سكتت لحظة وبعدين كملت بس قبل ما أمشي أخدت نسخة من حاجة مهمة. هنا لأول مرة بصيت للكاميرا اللي في العربية. سألتها إيه اللي حصل بالظبط؟ قالت وهي بتلف العربية ناحية طريق جانبي مرة كنت واقفة قدام مبنى الشركة مستنية أحد المديرين وسمعت مكالمة اسمك اتقال فيها. حسيت ببرودة في ضهري. قالت المكالمة كانت عن صفقة كبيرة بس الغريب إنهم كانوا بيتكلموا عنها
كأنك مش موجود. سألتها مين هم؟ ردت بهدوء ناس قريبين منك جداً. فضلت ساكت. هي كملت أنا معرفتش كل التفاصيل لكن عرفت إن في ورق بيتغير وقرارات بتتعمل باسمك من غير ما توصل لك. هنا بدأت أفهم ليه عم عبده دخل في الموضوع. سألتها هو ليه ساعدك؟ قالت لأنه شايف اللي بيحصل من زمان بس مكانش يقدر يتكلم. سكتت لحظة وبعدين قالت النهارده الاجتماع اللي رايح له هو أهم خطوة في الموضوع كله. سألتها تقصد إيه؟ قالت تقصد إن القرار اللي هيتاخد النهارده ممكن يغير كل حاجة في شركتك. حسيت إن الوقت بيمر بسرعة رهيبة. بصيت للساعة فاضل أربعين دقيقة بس. سألتها طيب انتي عايزة مني إيه؟ قالت بس تبص للحقيقة قبل ما توقع أي ورقة. وبعدين مدت إيدها وطلعت فلاشة صغيرة من الدرج. قالت ده تسجيل للمكالمة اللي سمعتها ونسخ من الملفات اللي شفتها. مسكت الفلاشة وأنا حاسس إن حياتي كلها بتتغير في اللحظة دي. سألتها ليه بتساعديني؟ سكتت ثواني وبعدين قالت لأن اللي حصل لي ظلماً ولأن الحقيقة لازم توصل لصاحبها. العربية دخلت شارع الشركة في اللحظة دي. المبنى الزجاجي الضخم كان واقف قدامي زي جبل. بصيت