من سنة بالتمام والكمال، في صباح يوم تلات نحس، ابني ياسين اللي عنده 16 سنة نزل من البيت وهو لابس الجاكيت الجلد اللي بيحبه، شال شنطته على ضهره، وبصلي بابتسامته اللي كانت بتنور البيت كله وقال لي هتأخر شوية بعد المدرسة يا ماما، عندي تدريب مزيكا. قرب وباس إيدي زي ما كان بيعمل كل يوم، وطلع يجري على السلم. يومها كنت واقفة في البلكونة أبص عليه وهو ماشي لحد ما اختفى في آخر الشارع ومكنتش أعرف إن اللحظة دي هتكون آخر مرة أشوفه فيها لمدة سنة كاملة. الساعة عدت ورا الساعة، والمدرسة خلصت، والعيال رجعوا بيوتهم إلا ياسين. كلمت أصحابه، قالوا إنه خرج من المدرسة فعلاً، بس بعدها محدش شافه. قلبي وقع في رجلي. جريت على القسم وبلغت، الضابط بصلي بنظرة متعودة وقال يا مدام ده سن مراهقة يمكن خرج مع صحابه وهيرجع. لكن الأيام عدت وياسين مرجعش. أسبوع بقى شهر والشهر بقى سنة. سنة كاملة وأنا بصحى كل يوم على أمل إنه يخبط الباب. كنت بسيب نور البلكونة منور
طول الليل، يمكن يرجع ويخاف يخبط. كنت بحط له طبقه على السفرة غصب عني. كنت بفتح دولابه وأحضن هدومه وأنا بعيط. الناس حواليا بدأت تقول لي انسِي يمكن مات. بس أنا قلبي كان بيقول لي إنه عايش. امبارح، وبعد سنة بالظبط، كان عندي شغل في مدينة بعيدة عن بيتنا بثلاث ساعات. خلصت شغلي بدري ودخلت كافيه صغير أشرب قهوة وأهدي أعصابي. المكان كان هادي لحد ما الباب اتفتح ودخل راجل عجوز شكله متعب وهدومه مقطعة. بس أنا اتسمرت مكاني فجأة. عيني وقعت على الجاكيت اللي لابسه. جاكيت بني قديم الكم الشمال فيه رقعة قماش على شكل جيتار أنا اللي خيطاها بإيدي وبقعة بوية صغيرة ورا الكتف اليمين عمرها ما كانت بتطلع. ده جاكيت ياسين! قلبي خبط بقوة لدرجة إني حسيت الناس سامعاه. الراجل قعد يعد فكة في إيده وطلب شاي. أنا قمت بسرعة ودفعت الحساب قبل ما يحاسب، وطلبت له كيكة كمان. لما قعد قدامه الشاي بصلي بعينين مليانين امتنان وقال ربنا يكرمك يا بنتي. مقدرتش أمسك نفسي
وسألته الجاكيت ده جبته منين؟ ابتسم ابتسامة حزينة وقال فيه ولد طيب قوي اداهولي كان بيقول إن البرد شديد عليا. قلبي وقف. حاولت أسأله عن الولد، بس الكافيه كان زحمة والراجل قام بسرعة وخرج. دفعت الحساب وجريت وراه بس مسمعتوش. فضلت ماشية وراه من بعيد من غير ما يحس. الراجل مشي كتير لحد ما وصل لأطراف المدينة، لمنطقة شبه مهجورة. بعد ساعة تقريباً وقف قدام بيت قديم متهالك، شبابيكه مكسورة وبابه خشب متآكل. خبط خبطتين خفيفين. الباب اتفتح وفي اللحظة دي الدنيا لفت بيا. اللي فتح الباب كان ولد رفيع، وشه شاحب وجسمه بيترعش من البرد كان ياسين. ابني. نفس عينيه نفس ملامحه بس أضعف بكتير. أول ما شاف الراجل العجوز ابتسم وقال بصوت واطي جبت الشاي يا عم إبراهيم؟ الراجل قال له بحنان جبت يا ابني وفيه ست طيبة دفعت الحساب كمان. أنا مقدرتش أتحمل صرخت بكل قوتي ياسييييين! الولد اتجمد مكانه وبص ناحيتي. عينيه اتسعت وفجأة وقع على ركبته وهو بيبكي ماما؟ جريت
عليه وضمّيته بقوة. كنت حاسة كأني لقيت روحي بعد ما كانت ضايعة سنة كاملة. جسمه كان ضعيف ودافي في نفس الوقت، وإيده ماسكة في هدومي كأنه خايف أختفي. فضلنا نعيط الاتنين وأنا مش مصدقة إنه فعلاً بين إيديا. بعد ما هدينا شوية، قعدنا جوه البيت المهجور. الراجل العجوز، اللي اسمه إبراهيم، كان بيبصلنا وعينه مليانة دموع. حكى لي القصة كلها. يوم اختفاء ياسين، كان فيه عربية خبّطته وهو بيعدي الشارع بعد المدرسة. السواق خاف وهرب. ياسين اتخبط في دماغه وفقد الوعي. عم إبراهيم كان وقتها بيلم علب من الزبالة جنب الطريق. شاف الولد مرمي وجسمه بينزف. حاول يطلب إسعاف بس محدش وقف له. خاف يسيبه يموت، فشاله وخده للبيت المهجور اللي بيبات فيه. لما ياسين فاق، كان فاكر اسمه بس ومش فاكر أي حاجة تانية. لا بيته
ولا أمه ولا حياته. عم إبراهيم حاول يسأل عليه في المنطقة، بس محدش عرفه. الأيام عدت وياسين بقى زي ابنه. كان بيخرج يدور على شغل بسيط، يساعد في ورش، يشيل