شفت راجل مشرد لابس جاكيت ابني اللي مختفي بقاله سنة
بضاعة وأي قرش يجيبه يجيبه للبيت. وفي الشتاء لما البرد اشتد، لقى عم إبراهيم بيرتعش، فقلع الجاكيت الوحيد اللي معاه واداهوله. وقال له إنت كبير في السن أنا أستحمل. وأنا قاعدة أسمع الكلام ده، قلبي كان بيتقطع. ابني اللي كنت فاكرة إنه ضاع كان عايش سنة كاملة بيتحمل الجوع والبرد. بصيت لعم إبراهيم وقلت له إنت أنقذت حياة ابني. الراجل هز راسه وقال لا يا بنتي ده اللي أنقذ حياتي. أنا كنت لوحدي في الدنيا. ساعتها أخدت القرار فوراً. قلت لهم مفيش حد فيكم هيفضل هنا تاني. رجعنا البيت مع بعض. ياسين بدأ يتعالج ومع الوقت ذاكرته رجعت حتة حتة. افتكر مدرسته أصحابه وافتكر اليوم اللي اتخبط فيه. وأول مرة دخل أوضته بعد سنة كاملة، وقف ساكت يبص حواليه وبعدين حضني وقال أنا كنت حاسس إن فيه حد مستنيني بس مش فاكر مين. عم إبراهيم بقى فرد من العيلة. ليه أوضة خاصة وكرسيه على السفرة جنبنا كل يوم. وفي يوم شتا بعد شهور، ياسين اشترى جاكيت جديد لكن الجاكيت القديم اللي كان السبب إني ألاقيه، فضل معلق في أوضته. مش مجرد هدوم ده كان علامة رجعت لي ابني بعد سنة من الضياع. وكل ما
بعد ما رجع ياسين البيت، كنت فاكرة إن الحكاية خلصت وإن الوجع اللي عيشناه سنة كاملة أخيراً انتهى. لكن الحقيقة إن رجوعه كان مجرد بداية حكاية تانية. أول أسبوعين بعد رجوعه كانوا غريبين شوية. ياسين كان ساكت كتير يقعد في أوضته بالساعات يبص في السقف كأنه بيدور على حاجة ضايعة جواه. ساعات كنت أدخل عليه ألاقيه ماسك الجاكيت القديم اللي كان السبب في إننا نلاقي بعض، يقعد يمرر إيده على الرقعة اللي على شكل الجيتار وكأنه بيحاول يفتكر حاجة بعيدة. كنت بسأله برفق مالك يا حبيبي؟ يبتسم ابتسامة صغيرة ويقول ولا حاجة يا ماما بس حاسس إن فيه حاجة مش فاكرها. الدكتور قال إن ده طبيعي إن الذاكرة لما بترجع بعد صدمة كبيرة بترجع بالتدريج، وأحياناً في حاجات بتفضل مستخبية شوية. لكن في ليلة من الليالي، حصلت حاجة خلتني أعرف إن اللي فات لسه مأثر جواه أكتر مما كنا فاكرين. صحيت على صوت خبط جامد في أوضته. جريت عليه لقيته قاعد على السرير بيتنفس بسرعة وعرقه مغرق وشه. كان مرعوب.
له عن السنة اللي عاشوها مع بعض. عن الأيام اللي كانوا يضحكوا فيها رغم الجوع وعن المرات اللي ياسين كان يصر إنه يقسم لقمة العيش بينهم حتى لو هو نفسه جعان. في يوم وأنا داخلة المطبخ، سمعت عم إبراهيم بيقول له إنت أنقذتني يا ابني أنا كنت فاكر إني خلاص انتهيت. ياسين رد عليه بابتسامة وإنت كمان أنقذتني لو كنت سيبتني في الشارع يومها كنت مت. اللحظة دي خلتني أحس إن ربنا فعلاً جمعهم لسبب. بعد شهر تقريباً، الشرطة اتصلت بيا. قالوا إنهم قدروا يلاقوا كاميرات مراقبة قديمة قريبة من المكان اللي ياسين قال إنه هرب فيه. الصور كانت باينة فيها عربية واقفة ورجل بيجري ورا ولد. رغم إن الجودة مش واضحة قوي، لكن شكل الراجل اتعرف عليه. كان واحد عنده سجل قديم في قضايا خطف أطفال وتشغيلهم في التسول. اتقبض عليه بعد أيام. لما ياسين شاف صورته، وشه شحب وقال أيوه ده هو. يومها حسيت إن الدائرة اتقفلت أخيراً. لكن الأثر اللي حصل في قلب ياسين فضل معاه. بقى مختلف شوية عن الأول..